المتابعون للشأن العراقي يترقبون زيارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى واشنطن في 19 مارس (أذار) الجاري، للقاء الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة ترامب، وانعكاساتها على مجمل الأوضاع في العراق ومنطقة الشرق الأوسط. فمازال العراق في قلب العاصفة منذ قرابة ثلاث سنوات، بعد وقوعه في صراع مدّمر مع أعتى المنظمات الإرهابية في العالم، ألا وهو «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش).

وفي الجانب العراقي الرسمي، يسود تفاؤل كبير لهذه الزيارة وما ستحققه من نتائج على الوضع العراقي البائس، وخاصة بعد تحرير الموصل.
وعلى عكس هذه النظرة التفاؤلية، فإن هناك من ينظر للأمور بمنظار مغاير، وبشكل أدق وأعمق، وبنظرة مختلفة تمامًا، مع أنها لا تقل تفاؤلًا، إلا إنها تشير إلى ترتيبات جديدة لمرحلة جديدة في العراق والمنطقة.
ويمكن القول ابتداءً، بأن هذه الزيارة جاءت بطلب وتحديد أمريكي، وليس بطلب عراقي. فالطلب العراقي الذي قدّم فور إعلان فوز ترامب بالانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والذي حددت له الإدارة الجديدة بداية شهر فبراير (شباط) من هذا العام، قد ألغي بقرار أمريكي، قبل أكثر من شهر. وحدد موعدًا جديدًا وفقًا لرغبة أمريكية صرفة. أي أن الزيارة أقرب للاستدعاء من زيارة رسمية على مستوى القمة.
فالإدارة الأمريكية تحضر لمرحلة جديدة ومختلفة، وهي مرحلة ما بعد داعش، والتي بات الجميع يرددها منذ ستة أشهر.
إن ترتيبات المرحلة الجديدة قد بدت واضحة، منها: زيارة وزير الدفاع الأمريكي للعراق، وزيارة وزير الخارجية السعودي، في الأيام الماضية، والتي بدأت تظهر ثمارها من خلال إرسال قوات أمريكية جديدة بدفعات متتالية لكل من العراق وسوريا، إلى جانب تحركات روسية وتركية نشطة، وهي ترتيبات تدخل كلها في إطار خطة (تحجيم دور إيران في المنطقة). والى جانب ذلك، فقد بدت التحركات الإيرانية ضعيفة، كما لو إنها فقدت روح المبادرة والقيادة، بعد المجال الكبير الذي أعطي لها في عهد أوباما، الذي اعتمد سياسة غير تدخلية في شؤون المنطقة، واكتفت بدور المراقب؛ مما شجع إيران على التمادي في بسط نفوذها، وتحقيق حلمها في تصدير الثورة الإيرانية لجميع الدول العربية.
وعلى الصعيد الداخلي، فالعراق يمُر بمرحلة حساسة وحاسمة تستدعي تدخلا أمريكيًا للإجابة على تساؤلات كثيرة، وهي: ماذا بعد داعش؟ وما هو مصير المجموعات المسلحة التي اعترف لها القانون بشرعيتها وفقًا لقانون الحشد الشعبي أواخر 2016، وهي لا تستطيع أن تقنع أي طفل بأنها جيش نظامي؟ وما هو مصير الملايين من العراقيين النازحين داخليًا، وهل سيعودون لمناطقهم المنكوبة، والتي لا تصلح للعيش في وضعها الحالي؟ ومن سيعمّر تلك المناطق ثانية؟ وأين موقع سنّة العراق، الذين يجتمعون الآن لبحث مصيرهم بعد داعش؟ وأين موقع الأقليات، كالمسيحيين واليزيديين، والذين يطالبون بإقليم سهل نينوى، وتلعفر وسنجار؟ وما مصير القوات الأجنبية في العراق بعد ذلك، مثل القوات التركية في بعشيقة، ومقاتلي حزب العمال الكردستاني في سنجار؟ وما هو مصير الطموحات الكردية في الاستحواذ على الأراضي المحررة وتغيير ديمغرافيتها؟
هذه الأسئلة كلها يجب أن تجيب عليها الخطة الجديدة التي سترسم ملامح المرحلة القادمة في العراق، وهي بلا شك مرحلة مفصلية شبيهة بمرحلة فوز المالكي في انتخابات (أبريل) نيسان 2014، حيث تجاهل كل النصائح الأمريكية والعراقية، وأصرّ على الولاية الثالثة بكل السبل، مما اقتضى منعه، فجاء داعش ليقوم بتلك المهمة، بعد أن غاب عن المالكي أن الولاية الثانية لم تكن له أصلًا، لكنها أعطت مكافأة لإيران للاستمرار في مفاوضات الملف النووي.
والعراق مقبل على انتخابات أجلت إلى سبتمبر (أيلول) القادم، وإذا كان العبادي يعتقد أنه سيفوز بانتخابات أخرى، فإنه واقع بنفس وهم المالكي رفيق دربه ونضاله؛ فالعبادي إذا ساعدته ظروف المرونة والتساهل وعدم التدخل الأمريكي في عهد أوباما، فإن ظروف الحزم والشدّة التي تبديها الإدارة الأمريكية الجديدة، سيبدو أمامها كقزم يحاول اللحاق بالكبار، لا سيّما وأن تقييم مرحلته ليس مشجعًا تمامًا؛ فبالرغم من وعوده بالإصلاح، إلا إنه لم يحقق شيئُا منها، بل زاد الأمور سوء، لا بل هو لم يستطع أن يحد من نفوذ المالكي، الذي مازال يتمتع بنفوذ قوي.
إن إنسانًا بهذا الضعف، وعدم القدرة على حسم الأمور، لا ينسجم مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وستكون زيارته المرتقبة، أشبه بزيارة المالكي لواشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، والتي كشف تفاصيلها المخزية أحمد الجلبي آنذاك، حيث إن لقاء الرئيس الأمريكي بالمالكي لم يدم لأكثر من 17 دقيقة فقط، كان كل ما طلبه منه أوباما هو المصالحة في العراق. وعند عودة الوفد للفندق طالبتهم إدارته بدفع أجور الفندق استعدادا للمغادرة، في إجراءات تتسم بعدم التعامل بشكل دبلوماسي ولبق مع وفد رسمي على أعلى مستوى. وحتى تشكيلة وفد العبادي ستكون مشابهة لتشكيلة وفد المالكي في أهم نقطة، وهي وزارة الخارجية، فإذا كان المالكي في صراع مع وزير خارجيته الكردي زيباري آنذاك، فإن العبادي غريب عن وزير خارجيته وأمين عام حزبه الجعفري، الذي هو في واد، والعبادي في واد آخر. وإذا كان وزير الخارجية في أية دولة هو الذراع اليمين لرئيس الوزراء ويرافق في كل زياراته الرسمية الخارجية، فإن الجعفري عكس ذلك؛ إذ يظن أنه وليّ نعمة العبادي وهو الذي منحه منصب رئيس الوزراء بانقلابه على المالكي. وهذه واحدة من أكثر مسائل العبادي إخفاقًا، بعد إخفاقه في تحجيم دور إيران في العراق.
وفي تقديري، فإن العبادي سيواجه ذات الموقف، وعليه ألا يركب رأسه، كما فعل المالكي، وإلا فإنه سيواجه نسخة جديدة من داعش أقسى وأسوأ. فقد أتيحت له فرصة أربع سنوات، إلا إنها كانت فاشلة تمامًا. ومهما أراد أن يظهر نفسه بمظهر البطولة، فلن ينفعه ذلك، فإذا كان يتباهى هو وأنصاره بالقضاء على داعش، فإن الجميع يعرف أن زوال داعش هو قرار أمريكي صرف، لا يشاركها فيه أحد.

وأن تاريخ صلاحية داعش قد حدده الأمريكان منذ اليوم الأول لاحتلاله الموصل، عندما صرح قائد القوات الأمريكية جيمس تيري في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2014، بأن الحرب ستستمر ثلاث سنوات على الأقل. في حين صرّح العبادي في 29 نوفمبر (تشرين الثان)ي 2016، بأن تحرير الموصل سينتهي قبل نهاية 2016. في حين عارضه الأمريكان بقولهم إن معركة استعادة الموصل ستكون في الربيع القادم. وهكذا فإن تحديدات العبادي لتحرير الموصل لم تكن صالحة حتى للاستهلاك المحلي. في حين كان الأمريكان يقدمون مددًا زمنية مختلفة تمامًا، المغزى منها أن تحرير الموصل من داعش سيتم بإرادة أمريكية لا عراقية، لذا سيختارون تاريخًا ذا دلالات رمزية، كما حدث عندما اختاروا إنهاء الحرب العراقية-الإيرانية في 8/8/1988، وسيكون هذه المرة في 9/4 وهو تاريخ تحرير أو احتلال العراق عام 2003.
فالخلاصة التي توصلت إليها الإدارة الأمريكية والعالم، هي أن النظام السياسي الديني في العراق لم يعد مقبولًا بعد الآن حتى على الصعيد الداخلي. فالشعب العراقي أخذ يرشق رموز النظام كالمالكي والعبادي بالحجارة والأحذية في زياراتهم؛ مما يدّل على أن هذه الحكومة لم تعد مقبولة أكثر من ذلك، لا سيّما حكومة العبادي الأخيرة التي باتت تعرف بأنه أهزل حكومة عرفها العراق في تاريخه الطويل. وستكون استعادة الموصل نهاية حكم العبادي بعد انتخابات سبتمبر (أيلول) لهذا العام، وسيكون عشاء العبادي في واشنطن بمثابة العشاء الأخير.

د. رياض السندي

دكتوراه في القانون الدولي

10 مارس 2017
كاليفورنيا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد