لا يخفى اسم ابن المقفع على الكثيرين من أبناء المنطقة العربية والإسلامية وحتى الغربية، فقد سطع نجمه في مجال الأدب العربي كمترجم لأشهر الكتب الفلسفية، ألا وهو كتاب كليلة ودمنة، كما اشتهرت له الكثير من المؤلفات الفكرية التي ترجمت إلى عشرات اللغات نذكر منها: كتاب الأدب الكبير وكتاب الأدب الصغير من بين غيرها من المؤلفات التي ترجمها ونقلها من الفارسية والهندية واليونانية وغيرها.

ولكنني في هذا المقال لست بصدد التعريف بهذا المفكر الإسلامي فقد كُتبت عنه الكثير من المؤلفات، كما يحتوي فضاء الإنترنت على الكثير من المواقع التي تحكي قصة حياته وتوضح إسهاماته في تاريخ الحضارة الإسلامية. إنما أكتب في هذا المقال عن الاعتقاد الذي يميل إليه البعض بانتماء ابن المقفع إلى جماعة إخوان الصفا، الجماعة الفلسفية الإسلامية السرية التي كتبت أكثر من 50 مقالة تناقش العديد من الطروحات الفكرية التي لا زالت حتى يومنا هذا تواجه تهمًا بالزندقة والتكفير والإلحاد نظرًا لخروجها عن المألوف. فهل حقًا كان ابن المقفع أحد أعضاء هذه الجماعة السرية التي لم يُعرف حتى الآن من هم أصحابها؟ وهل كان فيلسوفًا متخفيًا اكتفى بالشهرة التي حصلت عليها ترجماته لكتب كليلة ودمنة والأدب الصغير والكبير؟

أثناء قراءتي لكتاب كليلة ودمنة لاحظت تأثير فكر ابن المقفع على الموضوعات المطروحة، فلم يكتف في عمله كمترجم على نقل النص كما هو، بل أضاف وعدّل النصوص بما يتناسب مع أفكاره أو السمات الاجتماعية والثقافية والدينية التي تميز بها مجتمعه آنذاك. فإذا وضعنا في عين الاعتبار أن كتاب كليلة ودمنة هو في الأصل كتاب هندي مكتوب باللغة السنسكريتية، ويحكي عن صور الحكمة والمعرفة من منظور فيلسوف كان يتبع دينًا مختلفًا في عصره عن دين الإسلام الذي كان ابن المقفع قد اعتنقه قبل ترجمة الكتاب، فسنرى حتمًا التأثير الواضح لقناعات المترجم وأفكاره الدينية، خاصة عند الحديث عن الله الخالق المصور مالك كل شيء والمتحكم بالكون والمخلوقات، وقد ورد في الكتاب المترجم الكثير من الاقتباسات التي تعكس فكرًا توحيديًا مؤمنًا ومسلمًا بالتحديد قد لا تكون واردة في النص الأصلي الذي ألّفه صاحبه في القرن الثالث الميلادي ولا حتى في النسخة المترجمة إلى اللغة الفارسية في عهد كسرى أنوشروان المجوسي، وقد يشير لنا هذا التأثير إلى تميز المترجم عن غيره من المترجمين بفكر مستقل ومَلَكة أدبية تؤهله للتأليف في صنوف المعرفة والفلسفة وعدم الاكتفاء بالترجمة، وهو ما يدعو البعض إلى الاعتقاد أنه كان ينتمي إلى جماعة فلسفية مستقلة، ولكن لماذا سريّة؟

رغم ظهور جماعة إخوان الصفا وازدهارها في العصر العباسي المعروف بالعصر الذهبي للعلوم والمعارف في الإسلام، إلا أنها ارتأت السرية في بحوثها ومنشوراتها، ومن المرجح أن هذه الجماعة كانت تضم عددًا كبيرًا من المفكرين والفلاسفة الذين كانوا ينشرون مقالاتهم تحت اسم الجماعة، ويعتقد البعض أن سبب لجوء هؤلاء المفكرين إلى السرية هو خروجهم عن السائد والمألوف بين الجماعات الفكرية في عصرهم، خاصة وأن الحكم والسياسة في العصر العباسي كانا يميلان إلى الفكر الشيعي، بينما وضّح إخوان الصفا رغبتهم وميلهم إلى الأخذ من فكر جميع الفرق الدينية والسياسية وعدم الالتزام بفكر التشيع، فقد ورد على لسانهم في الرسالة رقم 45 (أن مذهبهم يستغرق المذاهب كلها) وبهذا هم يؤكدون على أن أحد أسباب لجوئهم إلى السرية هو رفضهم الامتثال إلى تيار فكري أو ديني واحد وهو ما كان سوف يعرّضهم إلى الاضطهاد والرفض إذا ما أفصحوا عن هوياتهم.

أما عن سبب اعتقادي واعتقاد البعض بأن ابن المقفع كان عضوًا في جماعتهم فهو يرجع إلى ما نراه من التقارب الفكري بين ما ورد في رسائلهم وما نلحظه في ترجماته ومؤلفاته. كما يعتبر تأثر الطرفين بالفلسفات الهندية والفارسية واليونانية عاملًا آخر يشجعنا على الاعتقاد أن ابن المقفع كان أحد أعضاء جماعتهم أو أنّهما كانا متأثرين بمؤلفات ومنهجية بعضهما البعض.

ومن الجدير بالملاحظة أن ابن المقفع كان ذا فكر تنويري سابق لعصره، ويتضح ذلك من خلال ترجماته ومؤلفاته كما أسلفنا، حيث ناقش العديد من القضايا التي كانت تمتاز بالغرابة والجرأة، فقد نقد المجتمع سياسيًا وأخلاقيًا وتحدّث برمزية عن فساد القضاء والحكّام، وعن ماهية القانون وأهدافه، كما حرّض على التعبير الحر وإعلاء الصوت في وجه الأمراء، وكأنه يضع السلطة الحقيقية بيد الشعوب بدلًا عن الولاة، كل هذا في زمن كان جلّ المفكرين والمثقفين يسعون إلى رضى ولي الأمر ومحاباته.

أما إذا ارتأينا الاعتقاد بانتمائه إلى جماعة إخوان الصفا، فيمكننا إضافة العديد من الأفكار الخارجة عن مألوف ذلك العصر والتي كان قد آمن بها أيضًا أسوة بإخوانه في تلك الجماعة الفلسفية. من هذه الأفكار المثيرة للجدل ما يتحدث عن خلق الكون والكائنات وتطورها، وإيمانهم بأهمية الرياضيات والأعداد في الكشف عن الحقائق الكونية، وتفسيرهم الفلسفي لعلم الهندسة، وإسهابهم في الحديث عن الأفلاك والنجوم والكواكب وعلاقتها بالإنسان والعالم من حوله، وغيرها الكثير من الأفكار الفلسفية والعلمية في الطبيعة والفيزياء والكيمياء والفلك والطب وعلم الاجتماع.

في الختام أود أن أذكر ما ورد على لسان ابن المقفع في كتاب: (كليلة ودمنة) ما قد يشير إلى علاقته بجماعة إخوان الصفا، حيث يقول في باب الحمامة المطوقة: فالإنسان الذي قد أُعطيَ العقل والفهم، وأُلهمَ الخير والشر ومُنح التمييز والمعرفة، أولى وأحرص بالتواصل والتعاضد. فهذا مثل إخوان الصفا وائتلافهم في الصحبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد