يُعتبر «ابن جبير الأندلسي» واحد من أهم الرحالة الأندلسيين الذين زاروا المشرق الإسلامي في القرن السادس الهجري.

ولد «ابن جبير» فى مدينة «بلنسية» في عام 540 ه،ـ وكان يعمل في بعض وظائف الكتابة والإدارة في «غرناطة» لحساب الدولة الموحدية، والسبب المباشر في رحلة ابن جبير هو أنه اقترف ذنب شرب الخمر فى حضرة أمير غرناطة، فعزم على التوبة، وعلى أداء فريضة الحج؛ ليكفر عن ذنبه وآثامه، وقد زار ابن جبير في رحلته الكثير من البلاد والأقاليم فى المشرق الإسلامي، ومنها: مصر، الحجاز، بلاد الشام، العراق.

وإذا ما التفتنا إلى التوصيفات التي وصف بها ابن جبير مشاهداته في المشرق، لوجدنا أن الظروف السياسية المحيطة به قد أثرت كثيرًا في كتاباته، وتناوله للواقع المحيط به.

فلما كان ابن جبير قبل قدومه إلى المشرق، يشغل أحد الوظائف المهمة في الدولة الموحدية، فقد كان من الطبيعي أن يعلن ابن جبير في كتابه تأييده للدولة «الموحدية»، وأن يبشر بها فى كل موضع وفرصة، فهو يقر بوضوح بأنه «لا عدل، ولا حق، ولا دين، على وجهه، إلا عند الموحدين أعزهم الله) ويصفهم بأنهم «آخر أئمة العدل في الزمان، وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة».

والظاهر أن ابن جبير قد تبادل مع بعض السكان في تلك المناطق عددًا من الآراء بخصوص الدولة الموحدية، ومن ذلك أنه يذكر أن هناك بعض سكان البلاد المصرية قد أبلغه برغبته وأمنياته في أن تُضم مصر للسيادة الموحدية، وأن هناك استعدادًا عامًا لذلك من قبل الكثير من المصريين، حتى إن بعض الفقهاء قد «حبر خطبًا أعدها للقيام بها بين يدي سيدنا أمير المؤمنين «والذي يقصد به الخليفة الموحدي.

وكان ابن جبير يرى في «صلاح الدين الأيوبي» نموذجًا واقعيًا للبطل المسلم المشرقي القوي الذي يستطيع أن ينهض بتبعات توحيد الأمة الإسلامية، وتجديد معالم قوتها وعنفوانها.

فـ«ابن جبير» بعد أن يذكر ما ذكره عن عدل ودين الموحدين، وأنه لا يوجد في زمانه من يماثلهم في ذلك، يعود بسرعة مستدركًا على حديثه فيقول «اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين».

وهو يفسر ذلك في موضع آخر من كتابه، بأن صلاح الدين «لا يأوي لراحة، ولا يخلد إلى دعة، ولا يزال سرجه مجلسه».

كان نشاط صلاح الدين وقوته وجدته في قتال الصليبين إذن، هي الأسباب التي دفعت (ابن جبر) لاتخاذه مثلًا وقدوة، خصوصًا وأن صلاح الدين في تلك الفترة كان قد استطاع أن يهزم جموع الصليبين في حطين، وأن يستعيد بيت المقدس من بين أيديهم.

والسبب الآخر الذي هيأ صلاح الدين ليكون النموذج السياسي الأمثل عند ابن جبير، هو العلاقات الدبلوماسية المتميزة التي ربطت عاهل الدولة الأيوبية من جهة بالدولة الموحدية من جهة أخرى، وهذا حرر (ابن جبير) من أصر التبعية القديمة للموحدين من جهة، وجعل الاستبدال بمرجعيتهم السياسية مرجعية صلاح الدين له صفة الشرعية والمنطقية من جهة أخرى.

ولما كان صلاح الدين ودولته يكتسبان صفتهما الشرعية الرسمية الأسمية من الدولة العباسية وخليفتها الماكث بلا حول ولا قوة في «بغداد»، فقد كان لزامًا على «ابن جبير» أن يتعامل في توصيفاته وعباراته التي تتطرق للعباسيين بمنتهى الحرص، بحيث لا ينتج عنها إفراط في التقدير، ينتج عنه قدحًا في مركزية الدولة الموحدية، وفي الوقت نفسه لا يحدث تفريط تسقط معه شرعية صلاح الدين.

ولهذا نجد أن ابن جبير يترحم على الخلفاء العباسيين الذين يذكرهم، ومن ذلك ترحمه على الخليفة «المهدي العباسي» أثناء ذكره لبعض الأعمال الإنشائية له في مكة.

وهو عندما يذكر الخليفة العباسي «الناصر لدين الله»، وهو المعاصر له، يصفه بـ«الإمام العباسي» أو بـ«إمام المشرق»، كما أنه يترضى عليه في بعض الأحيان كذلك.

وعندما يتطرق ابن جبير للحديث عن «الدولة الفاطمية»، فسرعان ما نجد أن هناك عددًا من العوامل قد تضافرت مع بعضها البعض؛ لتدفعه دفعًا للإساءة إليها والتشكيك فيها، فالفاطميون كانوا أسلاف صلاح الدين في حكم مصر، وهم من الشيعة الإسماعيلية الذين يصرح ابن جبير بكرهه لهم، وينتهز كل فرصة ممكنة للتشنيع عليهم.

فلا غرابة إذن في أن نجد ابن جبير في أحد مواضع كتابه يصف أهل البيت من أبناء علي وفاطمة بأنهم (قد ارتضى الله لهم الأخرة، ولم يرتض لهم الدنيا)، في إشارة لميوله السياسية الرافضة لحكم الشيعة عمومًا والفاطميين خصوصًا.

ولذلك فإن ابن جبير مثله مثل الكثير من المؤرخين الأيوبيين أو العباسيين، قد اتخذ موقف المشكك في صحة نسب الخلفاء الفاطميين، ويطلق عليهم اسم «العبيدين» وهو الاسم الذي أطلق عليهم؛ لكونهم من أبناء «عبيد الله المهدي» مؤسس الدولة الفاطمية في المغرب عام 297هـ.

ويجعل ابن جبير من القضاء على الدولة الفاطمية، واحدة من أهم مآثر وفضائل صلاح الدين، وهو يفصل ذلك ويبرره بالضرائب والمكوس الظالمة التي كانت تلك الدولة تفرضها على الحجاج والسكان.

ومن الغريب أن ابن جبير الذي برر انقلاب صلاح الدين على الفاطميين لظلمهم وتعسفهم وجورهم في فرض وجباية الضرائب، هو نفسه الذي يروى في الكثير من المواضع من كتابه أخبار ما شاهده بنفسه من ظلم وعنف الجند الأيوبيين في جباية الضرائب، دون أن يربط تلك المشاهدات من جهة وشرعية الدولة الأيوبية ومسؤوليتها عن تلك الأفعال من جهة أخرى.

فابن جبير يروي ما تعرض له مع عدد من الحجيج المغاربة، أول نزولهم إلى الإسكندرية، حيث صعد جند السلطان إلى المركب وأرغموهم على دفع الزكاة والضرائب، وفتشوهم وعاملوهم معاملة مهينة، بحيث يصفها ابن جبير بأنه «موقف من الذل والخزي عظيم».

وهو يذكر أنه تعرض لموقف مشابه فى مدن «أخميم، وقوص» أثناء اتجاهه لمكة بغرض أداء فريضة الحج، ولكن (ابن جبير) ـ بسبب انتماءاته المذهبية المؤيدة لصلاح الدين ـ يرفض الاعتراف بمسئولية «صلاح الدين» عن تلك الأفعال والممارسات الشنيعة، ويلقى بها على كاهل الموظفين الحكوميين والجباه وقادة العسكر، فيقول «وهذه لا محالة من الأمور الملبس فيها على السلطان الكبير» ويؤكد في موضع آخر أن صلاح الدين لو عرف بما يحدث «لأمر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه».

ويستطرد ابن جبير في وصف مآثر وخلال صلاح الدين، وأن حال المصريين في عهده «في نهاية من الترف واتساع الأحوال»، ويتوسع في ذكر الأعمال الإنشائية والخدمية والإصلاحية التي قام بها صلاح الدين، فيذكر إنشاء الحمامات و«البيمارستانات»، والإنفاق على المغاربة وأبناء السبيل، وتعيينه للأئمة في المساجد، وإجرائه للمرتبات عليهم، ورعايته للمرضى وللمجانين.

ويمكن أن نلخص جميع ما سبق بأن كل شر شاهده (ابن جبير) في مصر قد أنكره وأسقطه وابتعد به عن صلاح الدين، وأن كل خير لمسه في مصر قد نسبه إلى صلاح الدين، وجعله نتاجًا شرعيًا لسياسته الحميدة ومآثره العظيمة، وهذا كله يؤكد على وقوع ابن جبير أسيرًا لنزعته السياسية، وميله وتفضيله للعاهل الأيوبي الأول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد