عندما تستقر الدولة يكثر فيها الرفاهية والترف، فيكون الحكم قد ترسخ؛ فتبدأ نزاعات الأقارب فيما بينهم على كرسي الحكم، فيستعين الحاكم بأحلاف وجنود ليسوا من عشيرته (موالٍ)، كما فعل المعتصم عندما استعان بالأتراك، وعندما يبدأ الضعف في الأجيال التالية، يصبح الحكم للحلف أو الموالي الذين استعان بهم الحاكم، لكنهم لا يأخذون لقب حاكم حتى لا تثور عشيرته عليهم، ويغرقون الحاكم في الملذات والشهوات ويبعدونه عن أهله؛ حتى يظل الحكم لهم تحت اسم الخليفة الغارق في النعيم.

وفي ضعف الدولة تتدرج زيادة الضرائب على الناس حتى إذا تثاقلوها يذهب الاستثمار، يعم اليأس، ويستشري الكساد عند التجار فيغلق كثير منهم مصالحه لعدم قدرته على دفع الضرائب وبيع بضائعه، ويكون الظلم الذي فيه خراب المجتمع، فيخرج الناس ويبحثون عن بلد آخر يسوده العدل، فالظلم والضرائب فيهما أذى المجتمع، واختلال الدولة، فلا سبيل لإنعاش الدول إلا بالعدل والرفق بالناس، فلا يكون حاكم الدولة جلادًا يحكم حكم العسكري في جنود كتيبته، ولا هو باللين الذي يفقد زمام أمور الحكم، فالحاكم وجب فيه العلم والعدالة والصحة البدنية، فلا يكون كهلًا أقعده المرض وطعن السن، كما نشاهد في العديد من دول العالم الثالث، حتى إن الدولة تشعر بكهولتها وتعبها وإعيائها معه، وهنا أذكر أهم ما في كتاب طاهر بن الحسين لابنه عبد الله، لما ولاه المأمون واليًا على الرقة ومصر وما بينهما، في صفات الحاكم، ولو أن كل مسؤول في وطننا العربي يقرأه ويتعلم منه لتغير الحال:

اتق الله، وتذكر أنك راجع إليه وسيحاسبك، فلذلك التزم بالعدل بين الناس الذين وليت عليهم، واحمهم واحقن دماءهم، لا يشغلك عنهم شاغل، وأخلص نيتك، وأصلح نفسك، وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، ولا تتهم الناس، وأحسن الظن، وإذا تعرض لك أمر استخر الله واستشر وابحث، وأحب أهل الصدق والصلاح والشرف، واملك نفسك عند الغضب، واعلم أن الله يؤتي الملك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء، ولتكن كنوزك البر، والتقوى، والعدالة، وإصلاح الرعية، وأموال الدولة هي للناس تستقيم عليه ويعز به دينهم، وافقد المحتاج منهم، وخالط الناس، وساعدهم في أمورهم.

أمر الخليفة المأمون أن يرسل هذا الكتاب لكل ولاة (مسؤولين المناطق) الدولة العباسية في ذاك الوقت. واااامأموناه، أعرنا مرسالًا لمسؤولينا لعل الله يصلح بكتاب طاهر بن الحسين ما أفسد المنصب فيهم.

وما ينطبق على عدل المسؤولين ينطبق على القضاء، فذكر ابن خلدون في مقدمته كتاب عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- لأبي موسى الأشعري، عندما ولي القضاء في الكوفة والبصرة، ما فحواه التالي:

إن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، اعدل بين الناس، لا صلح على حرام، وإن جاءك مشتكٍ فأعطه حقه إذا جاء بالبينة، واذا أخطأت تراجع، فالرجوع إلى الحق أفضل من التمادي في الباطل، وإياك والغضب وأذى الناس، واخلص لله حتى يكفيك ما بينك وبين الناس، أما من أخفى ما في قلبه شأنه الله، فالله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا.

إذا كان العدل موجودًا، فلماذا ستقوم الحروب؟

يقول ابن خلدون الحروب موجودة في الناس منذ بداية الخلق، والسبب منافسة، أو عدوان، أو غضب لله وللدين، أو غضب للملك، فالحروب صنفان، حروب بغي وفتنة، وحروب جهاد وإقامة عدل، والنصر في الحروب له أسباب خفية، منها الشهرة والحظ، أما الشهرة تتبع ناقلي الخبر، فكثير من القادة كانوا صالحين واشتهروا بالفساد، والعكس من ذلك، وقد يعود ذلك أيضًا للحظ.

ذكر ابن خلدون خلافات الصحابة، ولكنه لم يتهم أحدًا أو يسيء لأحد، فهم كانوا مجتهدين، بإذن الله يؤجرون على اجتهادهم، فهم خيار الأمة وصفوتها، وما علينا إلا اتباعهم جميعًا وذكر حسناتهم، ولايجوز ذمهم. للأسف، كما يفعل بعض الكتاب والمدونون اليوم، فالكاتب يجب أن يكون فاهمًا وحليمًا وعادلًا وعالمًا، ينظر في العلوم المختلفة بما يحسن أدبه، ولا يكون له مطامع فيرضي صاحب جاه أو منصب على حساب أحد، ولا يشتم ويقذف من يخالفه الرأي، لنتعلم من عبد الحميد الكاتب في رسالته إلى الكتاب لينبري القلم علمًا نافعًا لمن يقرأ لنا.

أما في الباب الرابع من المقدمة، يتحدث ابن خلدون عن طبيعة البلدان والمدن، وكيفية إعمارها، فعلى الدولة تأسيس المدن بما يناسب صحة الناس وراحتهم وحمايتهم، حتى من الهواء الفاسد.

راحة الناس تأتي من الدولة، فهي من تجمع أموال الناس وتنفقها لتطور حياة المدن، وتزدهر فيها الحضارة، فالمدن التي تعاقبت عليها الدول الكبيرة أكثر حضارة وتقدمًا؛ فالحضارة في العراق، وأهل الشام، ومصر، واليمن متأصلة لتعاقب أكبر الدول عليها من الفرس، والروم، والعرب القديمة، والإسلام.

في زمننا، أضعنا حضارة آلاف السنين بحروب أهلية، ومذابح دينية، وخلافات حزبية، أنهكنا تحضر روائع مدننا العربية في بضع سنوات.

من مساوئ الحضارة أنها مفسدة للناس، فزيادة الرفاهيات والكماليات تكثر الفسق والشهوات والبعد عن الدين، فتجد أهل الحضارة أجرأ على الكذب، والخديعة، والربا، والزنا، واللواط هادمي النسل، وهم أعرف الناس للمكر والخديعة؛ كي يدافعوا عن أنفسهم عقوبة آثامهم، ويكثر شجر السرو والنارنج والزينة، ويصبح الحضري مسخًا بلا دين ولا أخلاق، وإذا شاع ذلك في الحضارة كان بداية لانقراضها!

ما زلنا موجودين أم ترانا انقرضنا وما بقي منا أجساد بلا أرواح؟!

تضعف الدولة هنا، ويهب من أهلها أشخاص يحاولون الزعامة وحماية بلدهم، ثم يتنازعون على الحكم ويستعينون بأسوأ الرجال وأحقرهم ليغلبوا بهم، ويأخذون بتعظيم أنفسهم بالخطابات والمواكب التهويلية، بشكل مضحك لمن يراقب انتفاخهم وشلليتهم، حتى يجيء حاكم عادل ينزع منهم كل ذلك.

كأن ابن خلدون يصف زمننا، ويكأن التاريخ عبرة لمن يعتبر، حتى تغريب اللغة العربية بألفاظ العجم أتى على ذكرها، فيقول نهى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- عن تكسير اللغة العربية، لأنه إذا فسد اللسان العربي فسد فهم الدين، فصار في زمن قوة الدولة الإسلامية من شعائر طاعة المسلمين والعرب، عندما كنا أقوياء.

دعونا نعود إلى عهد البداوة كرامة لأخلاقنا.

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
s