أما في الباب الخامس فيتحدث عن الرزق والصنائع وطريقة حياة الناس، فالرزق يحتاج إلى السعي والجهد والبحث، وما يحدث بغير ذلك قليل، لذا يبحث الناس عن الكنوز ليحصلوا على الرزق دفعة واحدة، حتى وإن كانوا أغنياء، فرفاهياتهم تزداد ويزداد معها الحاجة إلى الأرزاق، ويلجأ بعض الناس إلى أصحاب الجاه فيتملقون لهم وينافقون لهم، أما أصحاب المبادئ والقيم فلا يطيقون ذلك لذا رزقهم قليل، وهم أقل حظًا، ويعتقد أن علمهم وفهمهم قد اقتطع جزءًا من حظهم، وهذا يظهر في ضعف الدولة، فتجد أن المارقين وعديمي المروءة والسفلة يرتفعون في الدولة وتعلو مناصبهم لتملقهم ونفاقهم.

أما الرزق من التجارة فيحتاج إلى الجرأة والإقدام، والجاه من الحكام، فإذا لم يكن له معارف من الرؤساء والكبار في الجاه ضاع ماله، لأن أكثر الناس طماعون لما في أيدي غيرهم، ولولا وازع الأحكام لنهب الناس بعضهم بعضًا.

في الصناعة يحتاج المرء إلى العلم والمعرفة، والتمرس فيها، بعض الصناعات تعتمد على رفاهية المجتمع، مثل صناعة الكتب ونشرها، فعندما تكون الناس مرفهة وفي رغد العيش تشتغل بالفكر والثقافة فتزدهر طباعة الكتب وتأليفها.

من أين لنا الاشتغال في الفكر ونحن نعمل لنعيش يومنا، ما نفع الكتب إن كان الناس لا يملكون ثمنها، ولا وقت عندهم لقراءتها لانشغالهم بالسعي خلف لقيمات لهم ولأسرهم.

وكل ذلك يعتمد على الدولة، فهي التي توجه الصناعة والحرف، فما تحتاجه الدولة يتوجه الناس إليه ويكثر رواجه، وهي توجه العرض والطلب، وفي ضعفها يتراجع كل شيء من صناعة وتجارة، ويقتصر الناس على الضروريات وأساسيات الحياة.

الباب السادس والأخير يتحدث فيه عن العلوم وأنواعها ويفصل فيه عن كل علم ويثري فيه ولم يدع علمًا إلا ذكره، ورد على صحته من بطلانه مثل علم الجفر وعلم الفلسفة ويذكر أسماء أهم الأعلام فيها، ويذكر التصوف كعلم، ويورد آراء الأشعرية والمعتزلة وما تفرق عنهما، ويوضح علم التصوف الذي أحببته وما زلت أسبر أغواره ويؤسفني حجم الخزعبلات والبدع التي أدخلت على الصوفية، فعلم التصوف منشأه الصحابة والتابعين، عندما توسعت الدولة الإسلامية وابتعد الناس عن الدين وانشغلوا بدنياهم، اختص المقبلون على العبادة والزهد باسم المتصوفة، وغالبًا سبب التسمية أنهم كانوا يلبسون الصوف لمخالفة الناس في لبس فاخر الثياب، قرأت في كتاب صفة الصفوة الجزء الثالث عن أحد التابعين أنه كان يلبس الصوف تحت ثيابه العادية حيث كان تاجرًا، كي لا ينعته الناس بالصوفي فيداخل نفسه الرياء أو الكبر وغيرها من علات النفس في زهو العبادة.

بعد ذلك تعددت المذاهب والعقائد، وأدخلت على معنى التصوف مذاهب مختلفة منها الحلولية، وتوغلوا في ذلك، وابتدعوا الخزعبلات وانحرفوا عن الملة، وهؤلاء يجب عدم التعرض لكلامهم ونتركه.

وتطرق ابن خلدون لذكر أصول العلوم الفلسفية وهي سبعة: المنطق، والأرتماطيقي (علم خواص العدد)، والهندسة، والهيئة، والموسيقى، والطبيعيات والإلهيات، وفي هذا الباب تحتاج إلى تفسير الكثير من المصطلحات واللجوء إلى جهة أخرى لتستطيع فهم تفاصيله والإلمام بالفكرة، فمثلًا علم الجفر لشخص جاهل في هذا العلم وأول مرة يقرأ فيه تشعر أنك تقرأ طلاسم.

يبهرك أبداع العلامة ابن خلدون في إلمامه بكل هذه العلوم، ومعرفته في حيثياتها، فعن المنطق يورد في البداية موجزًا لكتب المنطق الثمانية: المحسوسات وهو كتاب المقولات، والقضايا التصديقية وهو كتاب العبارة، والقياس والبرهان، والجدل والسفسطة (الجدل الخاطئ) والشعر، ثم يعاود شرحها بشكل واف.

ويشير في علم الكلام أن علماء الدين أوجدوا مع علم الكلام الحجج والبراهين، وقضوا بأن الدين لا يتعارض مع المنطق ولم يقدح ذلك عند علماء السنة، فتأمل جيدًا أهداف العلماء قبل خوضك في علم الكلام، وكن ملمًا بأحكام الدين وعلومه حتى لا تقع في ضياع وتشتت، فبعض الدارسين ممن لم يتمكنوا من فهم دينهم ذهبوا إلى الإلحاد، فالضعيف في دينه عليه ترك هذا العلم وعدم الخوض فيه.

بالنسبة للطب، فهو يتطور ويزدهر بازدهار الحضارة ويتراجع بتراجعها، وعند العرب ما يسمى الطب الشعبي يبنونه على التجربة وما تناقلوه عن عجائزهم ومشايخهم وهو ليس مثبت في الطب، وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره من باب العادة وليس من باب سن الطب ولا هو مشروع ترك الدواء واللجوء الى الطب الشعبي، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث تلقيح النخل: أنتم أعلم بأمور دينكم.

كم رأينا من خلطات عشبية من المدعين بأنهم يعالجون بالطب النبوي، ويستدرجون الناس باسم الرسول عليه صلوات الله وسلامه يبيعونهم أعشابًا لم نعرف ماهي تؤخر حالة المريض وبعضها تتعارض مع بعض أدويته، فتزداد حالته سوءًا، شأنهم شأن من يدعون معرفتهم بعلم الجفر الذي أورد ابن خلدون البراهين لبطلانه، فأثناء قراءتي وبحثي عن هذا العلم، عثرت على صفحة أحد الدجالين يدعي علمه بالجفر ويذكر طلاسم من خلال صفحته على فيسبوك، لعلاج أمراض عديدة مثل السرطان، ويورد كذلك معادلات وأسئلة، وله متابعون كثر، قد أثار فضولي سؤال أحدهم هل كل حياتك تسأله فيها ليحل كل مشكلة تتعقد معك؟

يورد فصلًا قد يجهله الكثير منا، أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم وليسوا عربًا، وذلك لأن أول الدولة العربية لم يكن فيها علم ولا صناعة لبساطة البادية، بالنسبة لأحكام الشريعة فكانوا يحفظونها في صدورهم ولم يحتاجوا لتدوينها وهم أغلبهم أميون لا يعرفون القراءة والكتابة، بقي العهد على ذلك حتى خاف الخلفاء من ضياع الدين فكثر التأليف وكتابة الحديث في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وبدء تطور العلوم عند العرب وازداد عندما أمر الخليفة المأمون بترجمة كتب اليونان، وأخذ عنهم علماء المسلمين، كان العرب في تلك الأيام قد شغلتهم الرئاسة وأمور الحكم والملك والجهاد، ودفعوا إلى العلم العجم الذين تربوا عندهم فأصبحوا عجمًا بالنسب عربًا في المربى، مثل سيبويه، وبدأ اللسان العربي يفسد باختلاطه في العجم، فوضعت قواعد اللغة من نحو وإعراب وأدب وبلاغة، ويذكر ابن خلدون تأثير ذلك على الشعر العربي من عهد مضر إلى عهده حيث ظهرت الموشحات والزجل وينهي مقدمته لأهم القصائد في زمانه وأجملها ، وأنا على نهجه أنهي مقالي بأحب الأبيات إلى نفسي لابن زهر الأندلسي:

غصن بان مال من حيث استوى
بات من يهواه من فرط الجوى
خفق الاحشاء موهون القوى
كلما فكر في البين بكى ** ويحه يبكي لما لم يقعِ

انتهى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد