بغوصك في تاريخ الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين، وتتبع مراجع الإعلام آنذاك، تهزك أوصاف العبَّاد الزهَّاد والمجاهدين في سبيل نشر الدين، وتشدك سير الصحابة والتابعين من أنصار ومهاجرين، وتثير مقتك حكايات المتأسلمين والمنافقين والقتلة والمرتدين. لكن من بين السير التي قد تقف أمامها مشدوها، ويبدأ عقلك في الغليان من فرط التناقض وصعوبة ربط الاحداث، سيرة عبد الرحمن ابن ملجم المرادي، حافظ ومحفظ القرآن وتلميذ معاذ بن جبل رسولُ رسولِ الله، العابد الزاهد ورسول بن الخطاب إلى مصر لتحفيظ القران وتعليم العباد، المتآمر على عثمان بن عفان وقاتل الإمام علي بن ابي طالب. قد يتوقف عقلك في هذه اللحظة عن التحليل وربط الأحداث، فكيف لمعلم دين وحافظ لكتاب الله وتلميذ إمام العلماء ومحب الصحابة أن يتآمر على خليفة المسلمين ويقتل آخر.

هو عبد الرحمن ابن ملجم المرادي، ولد في أرض مراد الواقعة أسفل نجران. رافق معاذ بن جبل وحفظ القرآن على يده بل وخط مصحفًا على تلاوته، تعلم منه أمور الدين ورافقه وساعده طيلة حياته. أرسله الخليفة عمر بن الخطاب إلى مصر الحديثة العهد بالإسلام، وأمر عمرو بن العاص الوالي عليها ليقرب داره من المسجد ليعلم الناس القرآن والفقه. كان شديد الكره لغير المسلمين من أقباط مصر ومسيحييها ويهود المدينة، بل كان ناقمًا حتى على من تاب من أصحاب فتنة الردة وبعض ممن عفى الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم إبان فتح مكة. كان ولعه القرآن، يتلوه كل لحظة وحين، وكان مصحفه أغلى ما يملك، فلم يكن ذا سيف ليحارب ولا ذا مال ليتاجر. كان مولعًا كذلك بالصحابة وأصحاب البيعة وكانت تشده حكاياتهم مع الرسول وخرجاتهم معه.

بدأت نقمة ابن ملجم على عثمان بعدما ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر خلفًا لعمرو بن العاص، كان يرى فيه ذلك المرتد الذي لم يشمله عفو الرسول إبان فتح مكة، بل أمر بقتله ولو وجد متعلقًا بأستار الكعبة، والذي شفع له عثمان بعد ذلك عند رسول الله بحكم الأخوة في الرضاعة التي تجمع ابن أبي سرح بابن عفان. وزادت نقمه المرادي على عثمان بعد أمره بتوحيد المصحف وحرق كل النسخ الأخرى. كانت نسخته التي خطها بيده متتبعًا تلاوة معاذ ابن جبل من بين النسخ المحروقة، ومع مرور الوقت ازدادت الغصة في حلق المرادي وكبر الحقد في قلبه على عثمان وولاته على الأمصار من بني أمية، وبقي على هذا الحال حتى حصاره بيت الخلافة في المدينة المنورة ومشاركته في قتل عثمان.

التناقض في شخصية ابن ملجم كاف أن يجعلك تتحقق أكثر من مرة مما يروى عنه، وتعود إلى مراجعة كل ما قرأته حوله. كان حبه لعلي ابن أبي طالب كبيرًا لدرجة الهذيان، فهو ابن الإسلام البكر وفارسه، وصهر رسول الله وابن عمه. كان لقاؤه الأول معه في ذي خشب على مشارف المدينة حين خروجهم لخلع عثمان عن الخلافة. أعجب به وبكلامه وطريقه سيره ولباسه -حتى أنه كان يبحث عن سيفه ذي الفقار ليرمقه بنظرة تروي شغفه بعلي وتفاصيله- وأخذته محاججته وإقناعه لهم لدرجة أنه قبل ومن معه بالعدول عن دخول المدينة وخلع الخليفة بعدما أقنعهم علي بذلك.

مات عثمان ودارت الأيام والشهور والسنوات، وزادت الفتنة ولم تمت بموت الخليفة، وزاد الخوارج عددًا وعاثوا طغيانًا. كان ابن ملجم ممن بايعوا عليًّا، وسار معه ضد الخوارج في موقعتي الجمل وصفين. هذه الأخيرة التي انتهت بالتحكيم والذي لم يستسغ ابن ملجم نتيجته، فبدأ يرنو إلى صف الخوارج الى أن افتُتِن بقطام بنت شجنة، فهو الذي لم يمسس امرأة قط ولا كانت له جارية ولا ولد، عاش كل حياته مرتلا القرآن ومعلمًا الناس فقه الدين. أغرته قطام بحسنها وطالبت برأس علي مهرًا لها فقبل بذلك، وهو الذي كان يرى في علي ظل رسول الله الذي لم يلحقه ونسبه الشريف الذي طالما عظمه.

اشترى ابن ملجم سيفًا وهو الذي لم يملك ولو خنجرًا طيلة حياته، وصلى أربعين يومًا أن يعينه الله على قتل شر الخلق بذلك السيف. فكيف صار ابن أبي طالب كرم الله وجهه من شرار الخلق بعدما كان أب السبطين ورفيق الرسول وخليفته. أكمل المرادي خطته الشنيعة وقتل عليًّا بن أبي طالب وهو في طريقه لصلاة صبح اليوم السابع عشر من رمضان من السنة الأربعين للهجرة. كان ابن ملجم -وهو مقيد ينتظر أن يبت في أمره من طرف الحسن والحسين ابني علي- بارد الدم هانئ السريرة، لم تحركه كلمات الناس حوله وتهديداتهم بأن ابني الخليفة سيسملان عينيه أو يقطعان يديه ورجليه، لكن ما أن أُخبِرَ بأنهم سيقطعون لسانه حتى انتفض واهتزت فرائصه، وقال إنه لا يريد أن تأتي عليه ساعة لا يذكر الله فيها.

كمية التناقض في شخصية ابن ملجم وعدم اتزانه تسري على كل الأحداث التي كان حاضرًا فيها، وفي كل كتب التاريخ والمراجع. كمية التناقض هذه جعلته فعلا أشقى الآخرين استنادًا إلى نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن أنس حين قال: «أشقى الأولين عاقر الناقة وأشقى الأخرين الذي يطعنك يا علي» وأشار إلى حيث يطعن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد