لم يتباكَ العرب والمسلمون على شيء أكثر من بُكائهم على سقوط الأندلس في عام 1492، لكن القليل منهم يعلم أن سقوطها كان نتيجة لما حدث قبل هذا التاريخ بثلاثة قرون، يوم أن حُرّقت كتب «ابن رشد» بيد المسلمين أنفسهم، كذلك لا نجد الأوروبيين يفتخرون بشيء مثل نهضتهم التي قامت في القرن الـسادس عشر، لكن القليل أيضًا من أدرك أن نهضتهم قد قامت يوم أن طارت أفكار «ابن رشد» إليهم في القرن الـثالث عشر.

بمدينة قرطبة عام 1126، ولد الشارح الكبير «أبا الوليد محمد بن أحمد بن رشد»، وفيها درس الفقه والطب وعلوم الأوائل، وفي 1169 تولى القضاء في أشبيلية، ثم قاضي القضاة في قرطبة، وهو منصب أبيه وجده من قبله، بالإضافة إلى كونه طبيبًا خاصًا لـ«أبي يعقوب يوسف» صاحب دولة الموحدين.

وكان «يعقوب المنصور» الملقب بأمير المؤمنين الذي ورث مُلك المغرب والأندلس عن أبيه عام 1184، قد أبدى نفوره من الفلسفة، ونهى الناس عن الاشتغال بعلم الكلام، ومناقشة العقائد، وفي أيامه نال «ابن رشد» مِحنتهُ الشهيرة، ورغم تعدد الروايات التاريخية حول أسباب القطيعة، التي حلت بين «المنصور» و«ابن رشد»، يظل هناك شبه اتفاق على ما وصل إليه أهل الأندلس في زمن «المنصور»ـ من بُغض الفلسفة وأهلها؛ وفي هذا يقول الخزرجي: «وكل العلوم لها عندهم -أي أهل الأندلس- حظ واعتناء إلا الفلسفة، فإن لها حظًا عظيمًا عند خواصهم، ولا يُتظاهر بها خوف العامة، فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة، أُطلق عليه لقب زنديق».

وقد اتُهم «ابن رشد» بالزندقة والكفر في ثنايا منشور أصدره «المنصور» جاء فيه: «كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام، وأقَرّ لهم عوامهم بشغوف عليهم في الأفهام، فخلدوا في العالم صحفًا ما لها من خَلاق، فاحذروا -وفقكم الله- هذه الشرذمة على الإيمان، حذركم من السموم السارية في الأبدان، ومن عُثر له على كتاب من كتبهم، فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه»، وبعدها أمر بحرق كُتب «ابن رشد» ونفيه إلى مدينة اليسانة.

وتحدثنا الروايات أن «ابن رشد» لما رأى تلميذه يبكي، بينما كانت تُحرق كُتبه، التفت إليه قائلًا: «إن كنت تبكي حال المسلمين، فاعلم أن بحار العالم لن تكفيك دموعًا، أما إذا كنت تبكي الكتب المحروقة، فاعلم أن للأفكار أجنحة، وهي تطير لأصحابها».

وعلى الرغم من أن الفلسفة المدونة في الشرق وقتها باللغة العربية، كانت قد تسللت إلى أوروبا المسيحية قبل ميلاد «ابن رشد»، حينما بدأ «ريموند دي كاستيل» أسقف مدينة طليطلة، بترجمة المؤلفات الفلسفية «للفارابي، والكندي، وابن سينا»، والتي كان يغلب عليها طابع الأفلاطونية الحديثة، إلا أن فلسفة «ابن رشد» أصبحت مصدرًا لكل الاتجاهات العقلية التي ذهب إليها المفكرون الأوروبيون في القرن الثالث عشر.

ويذكر «رينان» في كتابه ابن رشد والرشدية؛ أن المفكر المسيحي «توماس الإكويني» كان أول من عرف الجوهر الحقيقي لفلسفة «ابن رشد» في أوروبا، وأول تلاميذه من الأوروبيين، والذي فرق بين فلسفته وبين ما قدمه غيره من فلاسفة المسلمين، كما لعب «الإكويني» الدور الأهم لنشر الخطوط الرئيسية للمذهب الرشدي، في أوروبا أواسط القرن الثالث عشر.

وبعيدًا عن تلك الفوضى العقلية التي استقبلت فلسفة «ابن رشد» في أوروبا، فمن المؤكد أن مبادئ الفلسفة الرشدية قد أنعشت المفاهيم الأوروبية، وحققت نقلة كبيرة لمناهج التفكير في أوروبا، وكانت أحد أهم أركان نهضتها الحديثة.

فنجد أن المبدأ الأول لفلسفة «ابن رشد»: «الله لا يمكن أن يُعطينا عقولًا، ويعطينا شرائع مخالفة لها»؛ والذي حسم العلاقة مع الدين، وراء تحول الأوروبيون صوب النور، بعدما غاصوا لقرون في الظُلمات.

ثم إن المبدأ الثاني في فلسفته: «إن الحكمة هي النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان»؛ قد جعل الأوروبيين يمخُرون بحار العلم، بعد أن طُمست عقولهم الكنيسة لسنوات طوال.

أما المبدأ الثالث فجعل الأوروبيين يلتئمون حول مرجعية موحدة كانت في قوله: «الحَسَن ما حسَّنه العقل، والقبيح ما قبَّحه العقل».

وقد أنهى مبدأه الرابع: «لو سكت من لا يعرف لقل الخلاف» على الجدل السوفسطائي لدى الأوروبيين بعد أن أُغرقوا في اللاشيء إغراقًا.

وبالمبدأ الخامس حققت أوروبا النهضة الاقتصادية، بعدما طال خضوعها لنزوات رجال السياسية وشهوات رجال الدين، في قوله: «إن ثروة الأمم بكثرة السكان المُحبين للعمل، والمُجيدين له، المبدعين فيه».

ولو أن بعض مؤرخي الفلسفة قد اعتبروا «ابن رشد» مجرد شارح لفلسفة «أرسطو»، فإن قيمة الفكر الرشدي تَكمُن في مركزية العقل وأساسيته، والعقل عند «ابن رشد» هو العقل البُرهاني الصارم، وليس مجرد العقل الجدلي أو الخطابي الموروث، الذي أصبح عائقًا للعمل النهضوي، وتظل مفارقة الفكر الرشدي كونه ميتًا، في الشرق، حيًّا في الغرب، بل وما زالت فلسفته تصلح كذلك أن تكون جسرًا بين الشرق والغرب.

ويظل الأكيد الذي لا جدال فيه؛ أننا ضعنا منذ أُحرقت كتب «ابن رشد»، وطُمست أفكاره لصالح أفكار الإجماع والتكفير، وجدير بالمسلمين أن يتباكوا على كتب وأفكار «ابن رشد»، أكثر مما يتباكون على ضياع الأندلس من أيديهم؛ وقد بات من الحتمي إعادة النظر في قضية «ابن رشد» وفلسفته في أجواء أقل عصبية، وأكثر علمية وحيادية، والتخلص من كل فكرة عاطفية، أيًّا كان نوعها ومصدرها، قبل الاقتراب من «ابن رشد» وأفكاره؛ علها تطير هذه المرة صوب الشرق؛ أملًا في أن يتاح لنا فرصة لتصحيح المسار، لربما تُلهمنا أفكاره لتجربة نهضوية حقيقية، نواجه بها ظلمات الرجعية التي تزحف علينا من كل صوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسفة

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!