بعدما أنهيتها، عُدت للصفحات الأولى لأراجع الإهداء الذي ما تبينته في البداية فوجدته «هي لله».

تبسمت وأنا أعود بظهري إلى الوراء وأتذكر المنافقين قتلة عثمان وهم يصرخون بذات الكلمة وهم يحطمون أضلاعه ويبقرونه حسب الروايات!

في بدايات المرحلة الثانوية بحثت طويلا عن سيدي عمرو بن العاص ولم أوفّق في بحثي حتى وجدت كتاب العقاد عنه فقرأته مرة واثنتين وكرهت سيدي عمرو بن العاص! رأيته بعين غير التي كنت أرى بها بقية الصحابة، لم أكن أعرف وقتها ما هي الأحاديث الموضوعة والصحيحة وغير الصحيحة ومناط الأخذ بها.

استقر الأمر معي سنوات، حتى أدركت أن العقاد لم يكن يعتمد على اختيارات علمية دقيقة ولا مؤكدة ولم يكن يشغله الأخذ من محب أو كاره ولا سُني أو شيعي!

كان كل مايهمه إعداد مصدر تاريخي مليء بالحكايات والتي يفسر على أساسها شخصية الصحابي الجليل دون اعتبار إن كانت هذه الحكايات موثوقة أم لا، وسقط العقاد من نظري كما سقط زيدان حين تحدث عن حكاية لأحد الصوفية ثم ضحك وقال بأن السلفيين لايأخذون بها لضعف الرواة وعدم معقولية الحدوث ولكن هذا لا يهمه وجل ما يهمه هي الحكاية نفسها!

وهذا مافعله عيسى بالضبط، اعتمد على الروايات غير المحققة والمكذوبة حتى يستطيع أن يجمع هذا العمل مابين دفتي 700 صفحة ويجرد الحكايات من مصداقيتها مقابل أن يصنع عمله الأهم في رأيي في سلسلة ضربه على قيم المجتمع وأفكاره كما يعتقد في أن تلك الزعزعة هي ما ستقيم الأمر وتقومه.

أشد من اعتماده على الروايات المكذوبة هي إضافاته الفلفلية التخيلية عن العلاقات والحوارات البسيطة والساذجة ما بين الأبطال لتسخين أجواء الرواية وإعطائها بعض المصداقية البشرية في الأخذ!

ابراهيم عيسى في الكتابة والحكي واللغة، لا نستطيع وصفه إلا أنه سيل هادر ومنطلق، يمتلك كمًا هائلًا من المترادفات والمتضادات ويستعملها بأسلوب قوي، بل شديد القوة والثراء لأنه مع كثرتها فهو يستخدم المعاني الأقرب للقارئ أيضًا فلا يرهقه بالبحث والتمحيص في معانٍ أو خلافه، بل يزيد من حصيلة القارئ من مترادفات الكلمة بسبب اعتياد القارئ على قراءته وفهمه لما يريد شرحه وإسهابه فيه.

بل وأنه يؤثر على القارئ بقوة مفرداته وتعبيراته ويترك فيه – القارئ – أثرا ملموسًا في حكاياته بعد ذلك.

هنا، سقط عيسى في فخ تسطيح الشخصيات كأفلام الأبيض والأسود المصرية تمامًا، كانت رغبته في أن يظهر فجاجة الشخصية العربية البدوية وصلافتها واضحة وأن يظهر الشخصيات بأنهم رجال بشريون تمامًا وأن يُظهر أن نزعتهم الربانية ما هي إلا وهم اختلقه الشيوخ والدينيون، فلم يكن محايدًا أبدًا في توصيف الشخصيات بل وكما قلنا سقط في فخ التسطيح الأحادي فجعل الشخصيات إما ساذجًا قحًا وإما عميقًا وإما شريرا وإما طيبًا مستكينا. كل شخصية كانت تحمل بعدًا واضحًا وكأننا أمام قصة للأطفال بلا أي عمق فكري أو إنساني داخل جوانب الشخصيات، وهذا ما يهدم أي عمل روائي بالأساس!

ظهر تسطيحه للشخصيات بشدة في تناوله لحُفاظ القرآن حين وصفهم في فهمهم وعلاقاتهم وأخذهم للأمور بأنهم حفاظ لا يفهمون ولا يتعمقون ولكنهم يأخذون الأمور كما يقرأونها دون فهم ولا محاولة الفهم، وحتى من يحاولون أن يشرحوا لهم يسأمون من ضيق عقولهم وعدم فهمهم ولا استعدادهم للفهم وكأن حفظ القرآن يغلق على الفرد إعمال العقل وهذا إن كان يحدث بنسب فلا نستطيع أن نُصدر كل الشخصيات في نفس الرواية بذات التيمة والرؤية وإلا كان سقوطًا في بنية الرواية وتهتيكًا لها!

عرقه المصري نفر في شخصية صالح القبطي والمصريين المتواجدين بشكل عام حيث أظهرهم دومًا هم المتسامحون والمتفهمون والطيبون والذين لا يختلف عليهم أحد في الحبكة في مصداقيتهم وطيبة عنصرهم ومرادهم من الحياة!

في النهاية لا تصلح أن تُسمى عمل تأريخي لتلك الفترة ولكنها مجرد قصص وحكايات عن مجموعة من الشخصيات التي سطحها الكاتب وربطها بشخصيات حقيقية لتكون أكثر إثارة ومدعاة لتهييج آراء الناس ولكنها تبتعد عن الحياد في تكوين الرأي وفي التأصيل لكل شخصية من حيث موافقتها ومعارضتها ورغباتها، ابتعد عن العلاقة الدينية تمامًا لكل شخصية وتأثيرها على مواقفها واستدعاءاتها في الأحداث وادعى أنه يتعامل مع بشرية الصفات فقط ليشرح أسباب ما فعلوا وما حدث ولكنه سقط في فخ الوجه الواحد للشخصية فظلت روايته رواية مسلية ومفخخة بالأحداث الجسيمة والمشاعر المحببة والتي تمس العواطف ولكنها أبدًا ليست رواية محققة مقاربة لأي طالب للمعرفة أو لشبه الحقيقة.

وغريب ألا يعتقد بوجود عبد الله بن سبأ، أحد أقرب الناس إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد