وإني لأعجب من قسوة الجزار بقدر عجبي من استسلام الضحية.

وأنا أتابع خلال الأيام الثلاثة الماضية تهديدات الشقي ترامب للسعودية وعاهلها محمد بن سلمان التي تكررت لثلاث مرات متتالية بعبارات فضة وأسلوب هو أقرب إلى الأسلوب الهزلي المستفز لمن يسمعه، تبادر إلى ذهني أن المشاورات في الغرف المغلقة التي عزل ترامب نفسه بداخلها قبل توجه الأول للسعودية قد كشفت نقابها اليوم، وتبين أنه كان ينظر للسعودية على أنها بقرة حلوب، وإن تمكن من الإمساك بضرعها، فلن يتركه إلى أن يجف.

توجه الرئيس الأمريكي إلى الرياض في 21 مايو (أيار) عام 2017، وهي الزيارة الأولى له إلى السعودية، حيث حملت شعار العزم يجمعنا، وقد شهد وصول ترامب احتفالًا سعوديًا لم يسبق له مثيل، وصل إلى حد الطلعات الجوية والطلقات المدفعية وغير هذا الأمر؛ ليصل إلى قيام الملك بتسلم ترامب قلادة الملك عبد العزيز التي تعد أهم الأوسمة في المملكة العربية السعودية، لكنه في الأصل لم يكن يعلم أن هدف ترامب الأساس يتخطى كل ما هو ذهبي في السعودية.

بعد هذا اللقاء الذي وصفه السعوديون بأنه لقاء تاريخي سيسجل في السجلات التاريخية للمملكة العربية السعودية، وبعد ان تم الاتفاق على إبرام عقود تسلح للسعودية قيمتها 110 مليار دولار، أيقن ترامب أن من زارهم – وعلى رأسهم ملكهم – سيصبحون لقمة سهلة تمضغها أمريكا متى ما أرادت، ولهذا قال عن زيارته: إنها زيارة رائعة رائعة.

استمرت العلاقات بين البلدين على أتم وجه، واستمرت معها الأفراح السعودية، التي – وكما اعتقدت – ضمنت مصالحها، واطمأنت على حمايتها من قبل أمريكا، ليس هذا وحسب، بل إن ولي العهد السعودي قام بتوجيه دعوة ثانية إلى الرئيس الأمريكي ليضمن أنه أصبح حليفًا له، وليطمئن قلبه أن أمريكا ستقف وراء السعودية في المرحلة الحالية والمقبلة، لكن في نفس الوقت لم يفكر ولو لثانية واحدة: لماذا أمريكا تقوم لنا بكل هذا؟

زار ترامب السعودية للمرة الثانية، ولكن هذه المرة اعتقد الأصهب الشقي أن الهيبة السعودية قد حان وقت كسرها، بعد أن أيقن أن المملكة وعاهلها يخشونه كثيرًا في الوقت نفسه، رأى أن السعودية تمتلك أموالًا طائلة، ولهذا قرر المصارع الأمريكي أن يبدأ بحل حلبة التحالف.

باتت خزينة السعودية تحت نظر ترامب، وأصبح لا يغمض عينيه دون التفكير فيها إلى أن جاء الوقت المناسب للانقضاض على الفريسة؛ ليخرج لنا المصارع الأمريكي في ولاية فرجينيا ليفاجئ العالم بأكمله بتهديد صريح وعلني جاء فيه: أنا أحب السعودية، وقد أجريت مع الملك سلمان هذه الصباح حديثًا مطولًا، وقلت له إنك تمتلك تريليونات من الدولارات، والله وحده يعلم ماذا سيحدث للمملكة في حالة تعرضت لهجوم، ربما لن تستطيع حماية طائرتك الخاصة! وهنا تهديد واضح وعلني بأن أمريكا ستهاجم حتى الطائرة الخاصة لابن سلمان في حال رفض دفع الأموال لها. وأكمل ترامب: أيها الملك نحن ندعمكم، ولكن لا نحصل منكم على القدر الكافي من الأموال لقاء دعمنا، ولهذا فعليك أن تدفع أموالًا طائلة لأمريكا حتى تستمر بدعمها لك؟

ماذا يحدث؟ لسان حال السعوديين أجمعين، وابن سلمان على وجه الخصوص، وبعد ارتباك شديد وترقب لردة فعل السعودية على هذا التصريح، وفي أمر عجيب بعض الشيء، سمعنا أن ابن سلمان وافق على إرسال أموال إلى ترامب بالقدر الذي طلبه وكأنه يخاطبه: يا ترامب نحن ندفع لك ما شئت، ولكن ابق معنا!

حركت هذه الاستجابة الفورية من السعودية غرائز ترامب، وزادت من طموحه لـ(تنشيف) كامل الخزينة السعودية، الأمر الذي جعله يفاجئ العالم مرة أخرى ليخرج في تجمع انتخابي في ساوثافن بولاية مسيسبي الأمريكية، ويوجه تهديدًا ثانيًا لابن سلمان جاء فيه: قلت صراحة للملك سلمان إنه لن يظل في الحكم لأسبوعين دون دعم الجيش الأمريكي.

أذهل هذا التهديد العلني السعودية، بل العالم أجمع، والكل بات يترقب ردة فعل السعودية، وهل ستحول هذا التصريح إلى أزمة دبلوماسية بين البلدين باعتباره يمس بسيادة المملكة؟ لكن وكالمرة التي سبقتها صمت الملك محمد بن سلمان إزاء هذا التصريح، ولم يحرك ساكنًا، وأرسل أموالًا إضافية إلى ترامب، ولكن هذه المرة ليست بالملايين، بل بالتريليونات من أجل أن يكف الأخير عن تصريحات كهذه.

لم يذهل السعوديون وحدهم هذه المرة، بل حتى المصارع الأمريكي ترامب أصيب بالدهشة عن استسلام السعودية بالكامل ورضوخها لكل مطالبه؛ الأمر الذي زاد مطامعه في المطالبة بالأكثر وأكثر؛ ليظهر هذه المرة ويخالف جميع التكهنات التي ظنت بأنه سيحد من أوامره للسعودية بعد الأموال التي حصل عليها، لكن وعكس ذلك خرج الأشقر الجدي في تجمع جماهيري يولاية مينيسوتا، وللمرة الثالثة على التوالي؛ ليعلن أنه قام بإجراء حوار مع ابن سلمان طالبه فيه بدفع المزيد من الأموال السعودية إلى واشنطن، وجاء الحوار بهذا النص، ترامب يقول: نحن ندافع عن دول غنية جدًا، ولا يدفعون مقابلًا لذلك أو يدفعون نسبة ضئيلة، ونحن نتفاهم معهم بشكل جيد، خذوا السعودية كمثال، هل تعتقدون أن لديهم بعض المال؟ نحن ندافع عنهم بينما هم يدفعون نسبة ضئيلة في المقابل، إنهم يدفعون ما نسبته 30% فقط.

وتابع: قلت للملك سلمان وهو صديقي: اعذرني هل تمانع الدفع مقابل الجيش؟ فأجابه الملك: لم يطلب أحد مني ذلك من قبل، فقال ترامب للملك: أنا أطلب منك أيها الملك، فأجابه الملك سلمان: هل أنت جاد؟ فرد عليه ترامب قائلًا: أنا جاد للغاية… ثق بي في ذلك، ليقول متحمسًا وكاشفًا عن تعهد الملك سلمان بالدفع قائلًا: سيقومون بالدفع!

بعد هذا التصريح المتكرر للمرة الثالثة، وبعد أن تمكن ترامب من اغتصاب الخزينة السعودية كما وصفه بعض المتابعين أعلن الأشقر أن السعودية باتت كالبقرة الحلوب بالنسبة لأمريكا، وكانه يوضح أنه لن يترك ضرعها قبل أن يجففه تمامًا!

استمرت السعودية بنزف خزينتها إلى واشنطن حتى إن إيدي كوهين الصحافي الصهيوني شبهها بأنها دجاجة تبيض ذهبًا لأمريكا، وأن نصف ما تحصل عليه واشنطن من الإتاوات الماخوذة من الرياض يذهب إلينا، أي إلى إسرائيل.

وبعد كل هذه الأعمال التي قام بها الأشقر الأمريكي ترامب لم تظهر أي ردة فعل سعودية، أو أي تصريح من عاهلها محمد بن سلمان إلى هذه اللحظة؛ فالضحية يبدو أنها استسلمت بالكامل عندما رأت قسوة الجزار، وهذا هو العجب!

أوضح ترامب أن هذه الأفعال المفاجئة التي طالت السعودية، بالرغم من كونها حليفًا لأمريكا قد جاءت كورقة ضغط عليها من أجل كبح عملية ارتفاع أسعار النفط العالمية، ليرسل رسالة إلى العالم أجمع بأن التحالف مع أمريكا مكلف جدًا وعلى الجميع أن يحسب ألف حساب إذا ما أراد الإقدام والتحالف مع واشنطن ضاربًا أقسى مثال على ذلك، وهو حال السعودية البائس التي غدت عليه اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد