1- اسمه ونشأته

الإمام محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي، لقب باسم الشيخ الأكبر، ومنه جاءت فرقة تسمى (الأكبرية)، ولد في مرسيه بالأندلس في شهر رمضان المبارك عام 558هــ الموافق 1164م. كان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف. وكان جده أحد قضاة الأندلس وعلمائها، فنشأ نشأة تقية ورعة نقية من جميع الشوائب الشائبة. وهكذا درج في جو عامر بنور التقوى، فيه سباق حر مشرق نحو الشرفات العليا للإيمان. وانتقل والده إلى إشبيلية وحاكمها إذ ذاك السلطان محمد بن سعد، وهي عاصمة من عواصم الحضارة والعلم في الأندلس. وما كاد لسانه يبين حتى دفع به والده إلى أبي بكر بن خلف عميد الفقهاء، فقرأ عليه القرآن الكريم بالسبع في كتاب الكافي، فما أتم العاشرة من عمره حتى كان مبرزاً في القراءات ملهما في المعاني والإشارات. ثم أسلمه والده إلى طائفة من رجال الحديث والفقه تنقل بين البلاد واستقر أخيرًا في دمشق طوال حياته وكان واحدًا من أعلامها حتى وفاته عام 1240م.

مرض في شبابه مرضًا شديدًا، وفي أثناء شدة الحمي رأى في المنام أنه محوط بعدد ضخم من قوى الشر، مسلحين يريدون الفتك به. وبغتة رأى شخصًا جميلًا قويًا مشرق الوجه، حمل على هذه الأرواح الشريرة ففرقها شذرًا مذرًا، ولم يبق منها أي أثر، فيسأله محيي الدين من أنت؟ فقال له أنا سورة يس. وعلى أثر هذا استيقظ؛ فرأى والده جالسًا إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة يس. ثم لم يلبث أن برئ من مرضه، وألقي في روعه أنه معد للحياة الروحية وآمن بوجود سيره فيها إلى نهايتها ففعل. وتزوج بفتاة تعتبر مثالًا في الكمال الروحي والجمال الظاهري وحسن الخلق، فساهمت معه في تصفية حياته الروحية، بل كانت أحد دوافعه إلى الإمعان فيها. وفي هذه الأثناء كان يتردد على إحدى مدارس الأندلس التي تعلم سرًا مذهب الأمبيذوقلية المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات والموروثة عن الفيثاغورية والاورفيوسية والفطرية الهندية. وكان أشهر أساتذة تلك المدرسة في ذلك القرن ابن العريف المتوفي سنة 1141م مما لاشك فيه أن استعداده الفطري ونشأته في هذه البيئة التقية واختلافه إلى تلك المدرسة الرمزية كل ذلك قد تضافر على إبراز هذه الناحية الروحية عنده في سن مبكرة فلم يكد يختم الحلقة الثانية من عمره حتى كان قد انغمس في أنوار الكشف والإلهام ولم يشارف العشرين حتى أعلن أنه جعل يسير في الطريق الروحاني بخطوات واسعة ثابتة، وأنه بدأ يطلع على أسرار الحياة الصوفية. وأن عددًا من الخفايا الكونية قد تكشفت أمامه، وأن حياته سلسلة من البحث المتواصل عما يحقق الكمال لتلك الاستعدادات الفطرية. ولم يزل عاكفًا حتى ظفر بأكبر قدر ممكن من الأسرار. وأكثر من ذلك أنه حين كان لا يزال في قرطبة قد تكشف له من أقطاب العصور البائدة من حكماء فارس والإغريق كفيثاغورس وأمبيذوقليس وأفلاطون وهذا هو سبب شغفه بالاطلاع على جميع الدرجات التنسكية في كل الأديان والمذاهب عن طريق أرواح رجالها الحقيقين بهيئة مباشرة.

محنة ابن عربي

لم يذكر أحدشخص (ابن عربي)، حتى سمع ذلك الشتم، والألفاظ المتهمة له بالهرطقة، والكفر، والزندقة، وخصوصًا في مسألة إيمانه بــ (وحدة الوجود)، فما يعني وحدة الوجود؟ وهل ثبت عنه حقيقة وحدة الوجود كما قال بذلك الفلاسفة السابقون؟ أم أن له منظورًا آخر لها؟

إن تعريف وحدة الوجود هو من الصعب بمكان، حيث اختلفت تفاسير هذا المصطلح كل شخص هو، إلا أن كل هذه الرؤى تتفق في مشتركات، وهي: الذات الإلهية وصفاتها، والعلاقة بين الحق والخلق، ووحدة الأديان. وكما كانت تقول بعض الآراء الفلسفية الإغريقية: إن الحب هو أصل الكون، وإنه في صراع مع الكراهية والمعبرة عن الشر، فإن ابن عربي يقول بأن العالم صنع من الرحمة؛ فالرحمة مشتقة من الرحم فهي علاقة محبة، وود، وعطف المرأة على وليدها، وهذا كما نعرف مصداق للحديث القدسي: عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: قال الله – عز وجل – أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته. {أخرجه الترمذي، وصححه}، فيقول ابن عربي أن الحب هي علاقة بين طرفين يبادل كل منهما الآخر، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: … فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحبونه… {صدق الله العظيم}، أما الرحمة فهي علاقة أحادية من طرف واحد، فالله يرحمنا، ولا نرحمه، وبهذا يكون وجود الله هو الوجود الحقيقي، والعالم هو عبارة عن وجود، ولكنه معطل. فهذا الوجود المعطل ابتدأ العمل منذ بزوج ما أسماه المبدأ النوراني، وهذا المبدأ النوراني هو آدم عليه السلام الذي اعتبره – ابن عربي – العين التي تبصر الحقائق الإلهية، فقال: للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر، فلهذا سمي إنسانا، فإنه به ينظر الحق إلى خلقه فيرحمهم. فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشء الدائم الأبدي والكلمة الفاصلة الجامعة. ويقول ابن عربي: إن الإنسان هو (ممكن الوجود)، اما الله فهو (واجب الوجود)، وتتجلى الحقيقة الإلهية – كما يرى – في أكمل مظاهرها في الأنبياء من آدم إلى محمد، فكل نبي تتجلى فيه صفة؛ فالألوهية تتجلى في الفص الآدمي، والسبوحية في الفص النوحي، والحقية في الفص الإسحاقي… وهكذا إلى أن يصل إلى صفة الفردية التي تتجلى في الفص المحمدي، وهو في ذلك يوظف التراث الغنوصي والفلسفة الأفلاطونية الفيضية في كيفية فيض الصفات الإلهية على العالم. وفي مقدمة كتابه (فصوص الحكم) يذكر أنه وصله من الرسول، وهذا يذكره نصًا: أما بعد: فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبشرة أريتها في الشهر الآخر من محرم سنة سبع وعشرون وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده صلى الله عليه وسلم كتاب، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولى الأمر منا كما أمرنا. فحققت الأمنية، وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حدّه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان؛ وسألت الله تعالى أن يجعلني فيه وفي جميع أحوالي من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، وأن يخصني في جميع ما يرقمه بناني وينطق به لساني وينطوي عليه جَناني بالإلقاء السُّبوحي والنفض الروحي في الروع النفسي بالتأييد الاعتصامي؛ حتى أكون مترجمًا لا متحكمًا، ليتحقق من يقف عليه من أهل الله أصحاب القلوب أن من مقام التقديس المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس. وأرجو أن يكون الحق لما سمع دعائي قد أجاب ندائي؛ فما ألقي إلا ما يلقى إليَّ، ولا أنزل في هذا المسطور إلا ما ينزل به عليَّ. ولست بنبي رسول، ولكني وارث ولآخرتي حارث.

والعجيب أن من يقرأ في نصوصه يجد تناقضًا كبيرًا، ففي أبيات يقول:

الرب عبد والعبد رب     يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك حق     وإن قلت رب فأنى يكلف

ويقول أيضًا: الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه. وأوقف وجودها على توجه كلمه. لنتحقق بذلك سر حدوثها وقِدَمها من قِدَمه. ونقف عند هذا التحقيق على ما أعلمنا به من صِدق قَدَمِه. وكما هو ملاحظ فإن ابن عربي قد استخدم لفظة ((عن)) في قوله: ((اوجد الأشياء عن عدم))، ولم يستخدم ((من عدم)) لقوله باستحالة إيجاد شيء من عدم، ولكنه تحويل الكمون إلى فاعل، أو ما نسميه تحويل الوجود بالقوة، أو كما يسميه الوجود العلمي، إلى وجود بالفعل، أو كما يسميه الوجود العيني.

ونلاحظ بيته الشعري المألوف والمعروف، والمشهور:
لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ
فمرعى لغزلانٍ..وديرٌ لرهـبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ..وكـعــبـةُ طـائـفٍ
وألواحُ توراةٍ..و مصحفُ قرآنِ

وعلى النقيض فإنه في كتابه (الوصايا) يذكر ذكرًا صريحًا واضحًا على استحالة وحدة الوجود، ومشابهة الخالق، بالمخلوق. وقد قال الشعراني وهو أحد محبي والمقتدين بابن العربي في كتابه (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر)، في أن ابن العربي قد تاب عن هذه الفلسفة، واستدل على هذا بإحدى الأبيات الشعرية لابن العربي:
ودعْ مقالة َ قومٍ قالَ عالمهمْ * * * بأنهُ بالإلهِ الواحدِ اتحدا
الإتحادُ مُحال لا يقولُ بهِ * * * إلا جهولٌ بهِ عنْ عقلهِ شردا

توفي ابن العربي ولم ينتقده أحد من بعده عن إيمانه بفلسفة (وحدة الوجود)، حتى جاء الشيخ ابن تيمية رحمه الله، وتكلم عنه، وناقش مسألة وحدة الوجود، ثم كفر ابن عربي، ولقبه بــ (شيخ الملاحدة)، وقال ابن تيمية: وقد علم المسلمون واليهود والنصارى بالاضطرار من دين المسلمين، أن من قال عن أحد من البشر: إنه جزء من الله، فإنه كافر في جميع الملل، إذ النصارى لم تقل هذا، وإن كان قولهم من أعظم الكفر، لم يقل أحد: إن عين المخلوقات هي أجزاء الخالق، ولا إن الخالق هو المخلوق، ولا إن الحق المنزه هو الخلق المشبّه.

وكذلك قوله: إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام، لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها، هو من الكفر المعلوم بالاضطرار بين جميع الملل، فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الأصنام، وكفّروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنًا، حتى يتبرأ من عبادة الأصنام، وكل معبود سوى الله، كما قال الله تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتّى تؤمنوا بالله وحده} [ الممتحنة / 4 ]، – واستدل على ذلك بآيات أخرى – ثم قال:
فمن قال إن عبّاد الأصنام، لو تركوهم لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها: أكفر من اليهود والنصارى، ومن لم يكفّرهم: فهو أكفر من اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يكفّرون عبّاد الأصنام، فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام جاهلًا من الحق بقدر ما ترك منها؟! مع قوله: فإن العالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حين عبد، فإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوة المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود، بل هو أعظم كفرًا من عبّاد الأصنام، فإن أولئك اتخذوهم شفعاء ووسائط، كما قالوا: { ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى} [ الزمر / 40]، وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلون} [ الزمر /43 ] وكانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض، وخالق الأصنام، كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ الله} [ الزمر / 38 ].

ولم يتفرد ابن تيمية في تكفيره، بل كثر قد كفروه، وبينوا ضلاله. توفي في دمشق عام 638هـ الموافق 1240م. ودفن في جبل سفح قاسيون. بعد ذلك يجب أن نقول كلمة حق في ابن عربي. كما نقرأ للفلاسفة من كل المشارب، والمذاهب، فلا مشكلة أن نقرأ في فلسفته، وأن نناقشها، أما عقيدته فهي وبكل تأكيد لمن يقرأ كتبه إنها خاطئة، فيقول إن من يدخل الجنة، أو يدخل النار فهو في النعيم المقيم، ويسرد هذا الكلام في أبيات كما يلي:
وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ***** على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد والأمر واحد ***** وبينهما عند التجلي تباين
يسمى عذابًا من عذوبة لفظه ***** وذاك له كالقشر والقشر صائن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد