في سماء الشعر تبرز أسماء كبيرة، أسماء طنانة رنانة، لكنها تفاوتت في حظها من المجد والشهرة، وتباينت في سر بقائها خالدة في تاريخ الأدب العربي، ونحن اليوم على موعد مع شهادة رجل له في الوصف والهجاء باع، شاعر من طراز فريد وتأثير فريد، لم ينتفع في حياته بشعره، وتقاطرت عليه الأحزان والهموم؛ فجادت قريحته بما اعتمل في نفسه من المعاني المعبرة رثاءً وهجاءً، وصفًا ومدحًا وشكوى واستجداء، ومات مسمومًا خشية لسانه الفتاك؛ إنه ابن الرومي.

ويضيق الخناق على المرء في بعض مراحل حياته، وقد يُسلِمه اليأس إلى الغرق في الصمت أو الصراخ حد الضجيج، لكن ابن الرومي اختار سبيلًا مغايرًا، وسلك طريقًا شقه لنفسه وشنق به نفسه. التقيت به وأنا أتخبط بين مطاوي اليأس، وتقاربت خطانا حينًا وتباعدت أحيانًا؛ فكان أن أجريت معه لقاءً مطولًا، وعصمني الله من لسانه لسبب لا أعرفه. رثى ابن الرومي ابنه رثاءً حارًا أبكى به الصخر من حوله، كما يُعرف عنه هجاؤه المرير لمعارضيه، وقد ابتكر في هجائه صورًا غير معهودة في زمانه، وكان آية من آيات الله في التشاؤم، وعاش حياة مريرة بكل ما تحمله الكلمة من معان.

طويت القرون عائدًا القهقرى، وتجشمت عناء الطريق حتى بلغت القرن الثاني الهجري، كان عليّ أن أضبط جوالي على الصامت، وأن أرتدي ملابس لا تثير حفيظة ابن الرومي، وقد حفظت قدرًا لا بأس به من شعره، وكلي أمل أن يحفظني الله من سلاطة لسانه وحدة مزاجه، ودار بيننا حديث كشف لي فيه عن بعض مكنونات صدره، وأماط اللثام عن بعض ما تجرعه من غصص الليالي.

وقبل أن نشرع في الحديث إلى ابن الرومي؛ فمن حق القارئ الكريم أن يتعرف على المحيط الذي نشأ فيه الرجل، وما كان له من تبعات على حياته الشخصية والاجتماعية والسياسية. وابن الرومي من شعراء العصر العباسي (132 – 656هـ)، وقد قامت دولة العباسيين على أنقاض الدولة الأموية، وكأية دولة أو حكم يبدأ قويًا ثم يتداعى بناؤه شيئًا فشيئًا، وقد بدأت الخلافة العباسية بأبي عبد الله السفاح (132 – 136هـ)، ثم جاء من بعده أخوه المؤسس الحقيقي لحكم العباسيين، أبو جعفر المنصور (136 – 158هـ)، واتخذ من بغداد عاصمة لحكم دولته وسماها دار السلام. ظلت بغداد حاضرة الخلافة العباسية وقبلة الدنيا أيام حكم المنصور وولده المهدي، ثم إبان عصر موسى الهادي (169 – 170هـ) وهارون الرشيد (170 – 193هـ) ثم أبناء الرشيد؛ الأمين والمأمون والمعتصم، لكن طرأت تغيرات مع استلام المعتصم مقاليد الأمور.

رأى المأمون ميول الكفة للفرس على حساب العرب، وبدلًا عن أن يشد عضده بالعرب مال إلى الترك؛ ليغيظ بهم الفرس ويقوى على مجابهتهم، واقتفى المعتصم خطى أخيه المأمون في الاعتماد على الترك، وإن كان المعتصم وصل بهذه السياسة إلى أقصى مدى ممكن. وقد عرف العرب الأتراك بعد فتح قتيبة بن مسلم الباهلي (49 – 96هـ) بلاد ما وراء النهر في العصر الأموي، واشتهر الأتراك بأنهم محاربون من الطراز الأول، وظهر الأتراك على مسرح الأحداث ظهورًا جليًا أيام المأمون، وعمد المأمون لكسر شوكة الفرس بعد أن لمس جنوحهم للاستئثار بأمور الدولة، وما كان من الفضل بن سهل، ومن قبله البرامكة وسبقهم كذلك أبو مسلم الخراساني؛ فأراد المأمون إحداث نوعٍ من التوازن بين العنصرين الكبيرين: العرب والفرس.

في سنة 220هـ استقدم المعتصم – وكانت أمه تركية من الصغد – الأتراك من بخارى وسمرقند وفرغانة وأشروسنة وتركستان الحالية، وبلغ عددهم 70 ألفًا، وحرص المعتصم أن تبقى دماؤهم متميزة؛ فجلب لهم نساء من جنسهم ومنع أن يتزوجوا من غيرهن، وهنا تكونت عصبية ثالثة إلى جانب العصبية العربية والعصبية الفارسية. بدأت ثقة المعتصم بالفرس تضعف؛ فأسرف في تقريب الأتراك، لاسيما بعد مؤامرة اغتياله يوم عمورية. ضاقت بغداد بأحوال الأتراك، وشكى أهلها للمعتصم وتوعدوه بالدعاء عليه في صلاتهم حتى تحرّج؛ فخرج بجنده من الأتراك إلى سامراء.

انتقل أهل الصنائع والتجار إلى سامراء، وكان لذلك أثر كبير على بغداد من الناحية الاقتصادية والعمرانية على السواء، ولذلك اشتد كره أهل بغداد للأتراك ورأوا في مجيئهم شؤمًا عليهم، سواء في حلهم أو في ترحالهم. وهذا العرض غاية في الأهمية حتى لا نبخس ابن الرومي حقه في السطور القادمة.

المهم أنني وصلت مدينة السلام والتقيت الرجل، واتفقت معه أن أستوقفه إن استشكل علي أمر ليتحفني بمزيد من التفاصيل؛ فوافق على مضض وبدأت معه من أول القصة. قلت له: يا أبا الحسن! حدثنا عن نشأتك وأيامك الأولى؛ فابتسم ابتسامة فاترة ورفع عمامته فالتمعت صلعته، وأطرق قليلا ثم قال: نشأت في القرن الثالث الهجري، وقد ولدت يوم الأربعاء الموافق الثاني من شهر رجب سنة 221هـ، في موضع العقيقة ودرب الختلية، وهو مكان معروف لأهل بغداد، إزاء قصر عيسى بن جعفر.

سألته: ومن عيسى بن جعفر هذا؟ وهل أنت رومي الأصل أم مجرد كنية؟

قال: عيسى بن جعفر صهر الخليفة هارون الرشيد وابن عمه وأخو زوجة الرشيد زبيدة، وكان أبي وجدي من موالى عيسى؛ فلما أسلم أبي أعتقه أبو عبيد بن عيسى. وأصلي رومي فاسمي علي بن العباس بن جريج (جريجوس)، أبي رومي ومنه أخذت لقبي أما أمي ففارسية الأصل اسمها حَسْنَة، وكانت كريمة الأصل والخلق. عاصرت جزءًا من العصر العباسي الأول، وأكثر عمري قضيته في العصر العباسي الثاني، ثم تمثل ابن الرومي بقوله وهو بيمينه على فخذه:

نحن بنو اليونان قومٌ لنا حجى ومجدٌ وعبدانٌ صلابُ المعاجِمِ

كيف أُغضي على الدنيةِ والفرسُ خؤولي والرومُ أعمامي

لنعود إلى بواكير حياتي؛ فإني التحقت ببعض الكتاتيب وحفظت ما تيسر لي من الذكر الحكيم، ومن مختارات الشعر والخطب وأصول الحساب، وأفدت من مناظرات علماء النحو والفقه، ونظرت في كتب المناطقة والفلاسفة والمنجمين. من أهم شيوخي محمد بن حبيب البغدادي وكان صديقًا لأبي وعالما بالتاريخ واللغة، وتتلمذت على يده فكان أقرب الشيوخ إلى قلبي، ولم يبخل عليّ بعلمه ووقته قط حتى وفاته في سامراء سنة 245هـ.

توفي أبي وأنا رضيع، وكفلني أخي الأكبر فأحسن إلي وأكرمني، وكانت أمي لا تضن علي بما أطلبه؛ فتعلقت بهما أشد التعلق، وكان أخي كاتبًا رشيق القلم حسن العبارات، وكان يصحبني معه إلى مجالس الأدب؛ فأجالس الظرفاء والأدباء وقضيت معهم أيامًا وليالي في مجالس اللهو والشراب.

قلت له مترفقًا وبصوتٍ خفيض: أبا الحسن! لقد عاصرت تسعة من خلفاء بني العباس؛ فلماذا لم تتصل بأيٍّ منهم؟

نظر إلي مليًّا ثم شخص ببصره وهو يقول: يظن من لم يقرأ التاريخ أن شعري لم يصل لهؤلاء، وإن لم ألتقِ بأيهم يومًا ما، لكنني وإن عاصرت المعتصم (218 – 227هـ)، ومن بعده تناثرت أجزاء دولة العباسيين، وجاء الواثق (227 – 232هـ)، والمتوكل (232 – 247هـ)، والمنتصر (247 – 248هـ) قتل أباه المتوكل وجلس على العرش، وبعد ستة أشهر مات مسمومًا، وأجلس الترك المستعين (248 – 252هـ) على كرسي الخلافة، والمعتز (252 – 255هـ)، والمهتدي (255 – 256هـ) وأراد أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز فعورض ومونع فامتنع، والمعتمد (256 – 279هـ)، والمعتضد (279 – 289هـ)؛ فهؤلا كانوا في سامراء وكنت أنا في بغداد، وكانت البلاد في اضطرابات شتى وثورات لا تنقطع.

وأيًّا ما كانت الحال؛ فقد نزلت سامراء إلا أنني لم يحتويني جوها، واستبد بي الحنين إلى بغداد؛ فعدت على جناح السرعة إلى دار السلام. لعل الأمر يتعلق بحدة مزاجي وميولي للعزلة في بيتي، أو لأنني لم أرغب في السفر برًا ولا بحرًا، كما أن التوفيق لم يطر بي كما طار بمن هم أقل مني شأوًا وأدنى منزلة وشأنًا.

كانوا يحسدونني على شعري ولا يقدرونه حق قدره، وقلما أنصفني ممدوح أو مسؤول قصدته بشعري، وأذكر أني قصدت الخليفة المنتصر سنة 248هـ في سامراء، ولم يدخلوني عليه فمدحت وزيره أحمد بن الخصيب، وعدت أدراجي إلى بغداد. وكان ممن اتصلت بهم محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فانتقد شعري ولم يجزل عطائي، ومدحت إسماعيل بن بلبل، وأبا القاسم التوَّزي الشطرنجي، وصاعد بن مَخلد، وبني وهب وغيرهم؛ فما انتفعت من ذلك بشيء.

أطبق الصمت برهة قبل أن أبادره متلطفًا: أبا الحسن! لم تمدح رجلًا إلا عدت فهجوته هجاءً مرًّا، وكان ذلك ديدنك الذي لم تغيره؛ فما بواعث ذلك؟

المدح يا ولدي فن من فنون الشعر، وليس فيه من الصدق إلا القليل، وقد اتخذت المدح مطية كما اتخذت الوصف والفخر وغيره توطئة لمرادٍ في مطاوي القصائد؛ فمثلًا ترى في مطالع بعض قصائدي الغزل بالغلمان، ولم أكن كأبي نواس وحماد عجرد ومن اشتهروا بحب الغلمان، لكنه فن ذاع بين الشعراء فضربت فيه بسهم. وقد صرحت في شعري أن المدح في عصري كذب بكذب، ولا يزيد عن ذلك فأقول:

يقولون ما لا يفعلون مسبةٌ من الله مسبوبٌ بها الشعراءُ
وما ذاكَ فيهم وحده بل زيادةٌ يقولون ما لا يفعل الأمراءُ

غمغم ابن الرومي ثم عاجلني بقوله: كنت أمدح الناس ليقدموا لي ما يقيم أودي ويصلح حالي، وقد أعطوا من هم دوني فوق ما يستحقونه وبخسوني حقي وخذلوني؛ فبادلتهم خذلانًا بخذلان وسوء تصوير بسوء تقدير، وهجوتهم هجاءً يبقى ما بقي الدهر، وتفصيل ذلك يطول ويحتاج لأمثلة لست في حالة مزاجية تسمح لي بالتعريج عليها والإسهاب فيها الآن، وسأتعرض خلالها للهجاء وبدايتي معه، وأرى أن نكمل هذه الشهادة في لقاء آخر.

لم يترك لي الرجل فسحة من الوقت، لكنه وعدني بالحديث لاحقًا حول شعره وحياته، وإني لفي شوق لهذا اللقاء وأظنكم كذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد