توثيق تاريخ ومكان الميلاد

يقول المؤرخ صاعدٌ الأندلسي: كتب إليَّ أبو محمدٍ ابنُ حزم يقول بخطِّهِ: وُلدتُّ بقرطبة في الجانب الشرقيِّ في ربض منية المغيرة قبل طلوع الشمس وبعد سلام الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الأربعاء، آخر يومٍ من شهر رمضان المعظَّم وهو اليوم السابع من نوفمبر، سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، بطالع العقرب. (الصِّلة، لابن بُشكوال، ص: 334).

فالذي يقرأ معلومات الولادة يُخيَّل إليه أنه يقرأ شهادة ميلاد استخرجها صاحبها من مكتب الحالة المدنية في مقرِّ البلدية من دون شكٍّ؛ لأنها تشمل كل تفاصيل الميلاد المكانية والزمانية، وقد شملت هذه الشهادة ما يلي:

· مكان الميلاد: مدينة قرطبة، المنطقة الشرقية، حي مُنْية المُغيرة.

· يوم الميلاد: 30 رمضان 384 هـ، الموافق لـ 07 نوفمبر (تشرين الثاني) 994م.

· ساعة الميلاد: بعد انتهاء صلاة الصبح، وإذا علمْنا أن الوقت كان في شهر نوفمبر، فيمكن تخمين ساعة المولد بالتقريب نحو السادسة والنصف صباحًا.

· البرج: العقرب، وهو ما سمَّاه بـالطالع، حيث يدل على عناية الأندلسيين بمعرفة الأبراج، وابن حزم نفسُه يربط بين دراسة النفسيَّات الإنسانية وبين الأبراج، وأيضًا بين جغرافية البلدان ومواقعها في الخريطة السماوية (نجد ذلك في رسالته الباهرة: في فضل الأندلس، حين تكلم عن الموقع الجغرافي للأندلس معتمدًا على الحسابات الفلكية).

ثم نسجل ما قاله الحافظ أبو عبد الله الحميدي نزيل بغداد في ترجمة شيخه ابن حزم حيث قال: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب، أبو محمد أصله من الفُرس، وجدُّه الأقصى في الإسلام اسمه يزيدُ، مولى ليزيد بن أبي سفيان. ويقول أيضًا: كان حافظًا عالمًا بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة متفنِّنًا في علوم جمة عاملًا بعلمه زاهدًا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الممالك، متواضعًا ذا فضائل جمة وتواليف كثيرة في كل ما تحقق به من علوم، وجمع من الكتب في علم الحديث والمصنفات والمسندات شيئًا كثيرًا وسمع سماعًا جمًا، وأول سماعه من أبي عمر محمد بن الجسور قبل الأربعمائة. اهـ (جذوة المقتبس: 301- 302).

أتوقف هنا لتسجيل بعض النقاط

· نشاط التحرُّكات الجماعية التي كانت معروفة في القرون الأولى من الحضارة الإسلامية، فأصول ابن حزم تعود إلى الفُرس وأن أجداده سافروا من أقصى تلك البلاد المشرقية إلى أقصى المغرب الإسلامي في الأراضي الأوروبية، ودوافع هذه الهجرات تختلف بين الجهاد والتجارة واستيطان المدن بحثًا عن حياة أفضل، وأحيانًا تكون بسبب الأزمات السياسية، مثل رحلة عبد الرحمن الداخل من الشام إلى الأندلس.

· التبكير في تلقِّي المعرفة، فابن حزمٍ الذي وُلِد سنة 384 هـ قد بدأ طلب العلم قبل سنة الـ 400 هـ، ومعنى ذلك أن عمره لم يتعدَّ الـ 16 سنة، وليس المقصود هو تعلُّم القراءة والكتابة؛ لأن هذين الأمرين قد تمَّ تحصيلهما منذ نعومة الأظافر، حين كان ابن حزمٍ طفلًا يجري بين أروقة القصر الوزاري ويلعب مع جواري القصر، وقد صرَّح هو بذلك حين تكلَّم عن خبرته بأمور النساء؛ فقال: … وهُنَّ علَّمْنني القرآن ورَوَّيْنني كثيرًا من الأشعار، ودرَّبْنني في الخطِّ … (طوق الحمامة، ص: 141)، فندرك بذلك أن ما وصفه الحُميدي ببداية سماع ابن حزمٍ على يد ابن الجسور إنما المراد منه هو دخوله في مرحلة تلقِّي العلوم وذلك بسماع الحديث والتفقُّه، وهذه المرحلة متقدِّمةٌ جدًّا بالنظر إلى السِّنِّ التي بدأ فيها وهي سنُّ السادسة عشرة من العمر، وهذا يكشِفُ الفارق الكبير بين الشخصية القديمة وبين الشخصية التي نجدها عند الشباب حاليًّا لأن توسيعَ المَدارك والتعمُّقَ في المعرفة قد لا يوصل إليه في عصرنا إلا بعد بلوغ مرحلة الدراسات العليا والتي تكون على الأقل مع سن الثانية والعشرين أو بعدها بكثير، هذا إذا أخذْنا فقط شريحة الطلاب المتفوِّقين والذين لا يتعرَّضون لعوائق بيروقراطية في الحصول على الشهادات والانتقال إلى مراحل الدراسات العليا وما بعدها.

· الموسوعية التي كانت تميز عموم أهل العلم قديمًا، فعبارة الحميدي: كان متفنِّنًا في علوم جمَّة. تعني شيئين: أن ابن حزمٍ تناول كثيرًا من العلوم بالدراسة والتعلُّم، والأمر الثاني هو أن دراسته لها لم تكن مجرد ثقافة عابرة أو أخذ معلومات سطحية، بل كان متفنِّنًا فيها، والتفنُّنُ هو الإتقان في أخذ الفنِّ والذي هو مصطلح آخرُ مطابقٌ للعلم بمفهومه الواسع (الدراسات الشرعية واللغوية والتاريخية والطب وغيرها)، وفعلًا سنجد ذلك واضحا في ما خلَّفه ابنُ حزمٍ من كُتُب في عدة مجالات.

· في عبارة الحميدي: كان عاملًا بعلمه، يمكننا أن نفهم بالضبط ما كان يركِّز عليه المفكر مالك بن نبي في مسألة منطق العمل، وأن هذا هو ما ينقص المسلمين اليوم، وليس منطق الفكرة، لأن الفكرة هي حركة الذهن في النظريات وهي ممكنة لكل ذي عقل، وأما منطق العمل فهو القوة التي بها يتمُّ تحويل الفكر إلى مشروع ميداني يكون له تأثيره الحقيقيٌّ على صاحب المشروع والمجتمع المُحيط به، فابن حزم لم يكن مجرد حافظ للمسائل الفقهية وجامع للاحاديث والأخبار؛ بل كان عاملا بما توصل إليه من علوم وما تحقق به من فنون، ويمكننا ملاحظة ذلك في ما اهتبل به الإمام ابن حزمٍ من توعية العامة بالخطر المُحْدق ببلاد الأندلس جراء حكم الطوائف وتحذيرهم من حُكَّام السوء الذين يبيعون ولاءاتهم للعدوِّ حفاظًا على مناصبهم وأملاكهم ومزاياهم، كما نلحظ منطق العمل عند ابن حزم في عقده للمناظرات المطولة مع كافة الفرق الإسلامية والملل الأخرى، فقد ناظرَ فقهاء المالكية وناظر أئمة الأشاعرة كما كانت له جولات في محاججة أهل الكتاب من المسيحيين واليهود، فمن ذلك مناظراته مع الفقيه أبي الوليد الباجي وهو أحد أكبر علماء المذهب المالكي كما أنه حامل لواء العقيدة الأشعرية، ثم مناظرات ابن حزم مع أحد علماء اليهود المسمى بابن النغريلة اليهودي، وهكذا لم يرتضِ ابنُ حزم أن ينطويَ على نفسه بل كان مؤثرًا ومتأثرًا بالمجتمع الذي يعيش فيه بكل تجاذباته ومستوياته المادية والثقافية ِوالدينية، فالعلم الذي لا يُصدِّقه العمل هو بمثابة الجهل، وهو أيضًا كالمال الذي لا ينفقه صاحبه فيما ينفعه أو فيما ينفع به أهله وأولاده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد