مشروع ابن حزم

نشأ ابن حزم في بيئة تتبنى المذهب المالكي بطريقة رسمية، فبعد دخول الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي القرشي (113هـ/ 172هـ) الأندلس واعتلائه سُدَّة الحكم فيها – وعبد الرحمن هذا هو صقر قريش أحد نبلاء بني أمية وأحد أبرز الشخصيات القيادية في التاريخ الإسلامي – اعتمد الأمويون المذهب المالكي لكون إمامه مالك بن أنس كان يؤيد حُكْمَهم في المشرق ويُحسن ذِكرهم، وأما قبل عصر عبد الرحمن الداخل فلم يكن هناك مذهبٌ رسميٌّ للأندلسيين إلا أن كثيرًا منهم كانوا يتبنَّون طريقة الأوزاعي في التفقُّه، وعلى أي حال فلا شكَّ أن ابن حزم – مثله مثل غيره من الطلبة – قد تلقى كثيرًا من الفنون على ما يريده فقهاء المالكية من مناهج وما يقترحونه من كُتُب دراسية وآراء عقدية وفقهية، ولكن هناك عوامل كثيرة جعلته يتخلى عن المذهب المالكي إلى غيره، من بينها شخصيته حيث كان شغوفًا بالبحث حاملًا راية النقد التي يرى فيها الملاذَ الوحيد من التناقضات التي وجدها في المذاهب التقليدية الأخرى، فالنقد والبحث هما أساس شخصية ابن حزم التي جعلته يرفض الالتزام بمذهبٍ معيَّنٍ، ثم أمرٌ آخر وهو دراسته للمنطق وتبنِّيهِ فيما بعد لما أضحى يُسمَّى «نظرية المعرفة» والتي جعلتْه يقدِّس البحث عن الحق بدليله ويمتنع عن القبول بأي معلومة إلا حين تستند إلى «برهان» يُثبتها وإلا فهي لاغية مطروحة مهما كان قائلها.

ومع توسُّع قدراته العقلية ومَداركه وتعمُّقِهِ في دراسة أصول المذاهب والطوائف الإسلامية باتت لدى ابن حزم قناعةٌ أن «الحقَّ» ليس مرتبطًا باسم شيخ أو مذهب أو طائفة، بل الحقُّ مرتبط بالدليل وجودًا وعَدَمًا، وبذلك تخلَّى تمامًا عن فكرة الانتماء المذهبي وانتقل إلى المدرسة التي يرى أن أصولها وقواعدها هي طلب الدليل اليقيني دون البحث عن قائله أو ناقله، وهذه المدرسة هي ما يسمَّى في الأدبيات الفقهية بـ«المذهب الظاهري»، وهو ما أثار عليه موجة انتقاد كبيرة لا تزال آثارها حتى الآن من طرف من يخالفون ابنَ حزمٍ وعلى رأسهم شيخُ مالكية الأندلس في زمانه الحافظ الفقيه أبو بكر ابن العربي الإشبيلي (468هـ/ 543هـ)، والإشكالية التي يرون أنه وقع فيها هي انتقاله من تقليد مذهب إلى تقليد مذهب آخر مع أنه يدَّعي أنه يرفض فكرة التقليد من أساسها، وهذا التساؤل مقبولٌ مبدئيًّا لكنه لا يصمُد مع التحقيق، لأن جوهر المذهب الظاهري وجوهر المذاهب الأخرى مختلفان تمامًا، فمعادلة المذاهب التقليدية كالتالي: (شيخ + أصول وقواعد يقينية وظنِّية + أتباع)، وهذه المعادلة مرفوضة بالكُلِّيَّة لدى أصحاب المدرسة الظاهرية، لأنهم لا يعترفون بشيخٍ مؤسِّسٍ ولا بإمام المذهب، كما يرفضون المنهج الظني في الاستدلال، وكذلك يرفضون فكرة التقليد التي تعني وجود أتباع وجمهور مقلِّدٍ لإمام المذهب أو شيخ الطائفة، فهذه الأركان الثلاثة للمذاهب الأخرى لا مكان لها في مدرسة أهل الظاهر مطلقًا، وحين ندرك جوهر الفرق بين الطريقتين نعلم أن من وصف ابن حزمٍ بالتناقض لم يدرك هذا الفرق الكبير بين مدرسة أهل الظاهر ومدرسة «الجمهور»، وعلى تلك الأُسُس بنى ابن حزمٍ فكرَه وسخَّر حياته لنشر هذه المبادئ التي رآها تحريرًا للمسلم من سلطة المذاهب والشيوخ إلى رحابة الإسلام بشموليته وسَعته، وهذا هو ما أسمِّيه «مشروع ابن حزم» الذي لم يقتصرْ على جدلٍ فقهيٍّ أو اختلاف في تصحيح حديث وتضعيفه، بل كان الهدف هو بناء قواعد متينة للتفكير الإسلامي الصحيح استنادًا إلى ما يلي:

· تحكيم العقل الذي هو «آلة التمييز» فقط، إذ لم ينخرط ابن حزم في مَتاهة الجدل التاريخي بين المعتزلة والأشاعرة في «هل العقل حاكم أم لا؟» – وإن كان قد ناقشها فعلًا وحرَّرها -؛ فالعقل عند ابن حزمٍ هو الآلة التي وضعها الله في الإنسان للتمييز والإدراك – وسأنقل كلامه فيما بعدُ -، وركَّز على هذا الأمر لأن نظرية التقليد واتباع الشيوخ مناقضة لاعتماد العقل أساسًا للتفكير والبحث والحكم، والمراقب لأثر نظرية التقليد يعلم مدى الجمود الذي أصاب الأمة الإسلامية في كل النواحي الدينية والاجتماعية والثقافية، حتى أضحى الفقهاء يُحرِّمون صلاة الشافعي خلف إمامٍ مالكي، أو يحرمون التزاوج بين أتباع المذاهب المختلفة ويحرمون دراسة المنطق والفلسفة، وربما وصل التعصُّب المذهبي درجة الاقتتال في بعض المراحل، ولا ننسى هنا حصار متعصبي الحنابلة للإمام ابن جرير الطبري في منزله حتى الموت، ولا ننسى حرق متعصبي المالكية كُتُب الفيلسوف ابن رشد الحفيد.

· العناية بدراسة اللغة لأنها وسيلة البيان والتخاطب الأولى، فمن أهمل تعلُّم اللغة لا شك أنه سيجد مشكلة في البيان والتخاطب، وابنُ حزمٍ يُولِي أهمية كبرى لتعلم اللغة العربية لأنها هي المادة التي يستطيع العقل من خلالها التمييز بين الأشياء الخارجية، وهذا ما نجده جليًّا في بداية كتابه «الإحكام» في الأصول.

· الاقتصار على المسلك اليقيني في التلقي والفهم، وهذا مبحث طويل جدًا يتجاذبه علماء أصول الفقه في مقدمات كُتُبهم، فالمدرسة الظاهرية تجعل «اليقين» شرطًا وحيدًا لتلقي الأخبار واستخراج الأحكام منها، فكلُّ حديث لم يثبت بطريق اليقين فهو ضعيفٌ غير مقبول، وكلُّ حكمٍ لم يُستخرَج بآليات اليقين فهو باطلٌ لا يجب الأخذ به، وهنا يبرُزُ الخلاف الكبير بين الظاهرية والمذاهب الأخرى، ويبدو الأمر ذا حساسية كبيرة جدًا لأنه يشكِّكُ في مبادئهم التقليدية والتي درجوا على استعمالها في التعامل مع النصوص الشرعية، فمن بينها: تصحيح الحديث بمجموع الطرق الضعيفة، حجية قول الصحابي، القياس، مفهوم الموافقة، عمل أهل المدينة… فهذه الأصول وغيرها تعتبر لاغيةً عند ابن حزم وكل أهل الظاهر، وبها احتدم النقاشُ وبدأت المعارك الفقهية تلقي بظلالها على غالب الكتب الأصولية والفقهية، حتى لخص ذلك الإمام ابن القيم الحنبلي في كتابه «أعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين»، في مناظرة تاريخية كبرى لم تنتهِ حتى يومنا هذا.

هذه هي ملامح مشروع ابن حزم والتي لم تكن مجرد أفكار تراوده، بل أضحت عملًا كرَّس لأجلها طاقاته كلَّها حتى ترك لنا بناءً مُحْكَمًا على أسس متينة، لدرجة أن الاعتماد في تأصيل المذهب الظاهري ونقل الخلاف الواقع بين شيوخ الظاهرية وبين غيرهم من المذاهب الأخرى؛ كله تقريبًا يقع على عاتق مؤلفات ابن حزم التي تنوَّعت في كل علوم الشريعة أصولًا وفروعًا، لذا سأضع بطاقات تعريفية لأهم مؤلفات ابن حزم التي لا غنى عنها لطلاب العلم خاصة الباحثين في «الخلاف العالي» والمتخصصين في الفقه المقارن وأصول الفقه المقارن وأصول الدين بشِقَّيْه المتمثِّلين في الخلاف الإسلامي بين الطوائف الإسلامية، وكذلك حوار الأديان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد