الكلام الآن عن شخصية عاشت منذ نحو عشرة قرونٍ، وغالبية المسلمين اليومَ يتمتعون بنظرة إيجابية لتاريخ أجدادنا في الحضارة والحُكْم والعلم والمعرفة، وإذا أردْنا أن نُغريَ عواطف أي واحدٍ منا فلنذكر أمامه كلمة الأندلس حتى تجِيشَ نفسُهُ بمشاعر قد لا يمكنه التعبيرُ عنها بصورة كاملة، لكنها تعمل في نفسه أثرًا غريبًا من دون شكٍّ، غير أنه يجب علينا أن نكون واقعيين في تفسير ما وصل إليه أجدادنا من مستويات راقية في المَعارف ومراتب الحضارة الإنسانية، فالأمر لم يأتِ بسهولة مطلقًا، كما أنه لم يحصُل دُفْعةً واحدةً من غير تدرُّج .. لا أبدًا، كانت المسيرة الحضارية مسيرةَ مجتمعٍ بمختلِف طبقاته من القاعدة المكوَّنة من شرائح المجتمع البسيط وصولًا إلى قمَّة الهرَم التي يتربع عليها النخبة، أو كما كانت توصف بالخاصة، سواءٌ من أهل السياسة أو أهل العلم والأدب والفن وقادة الحرب وغيرهم. فالأمر يخصُّهم جميعًا.

 وكان على أي مُواطنٍ حينها أن يرى في نفسه جزءًا ضروريًا من أجزاء الحركة المجتمعية الكبرى، لذا لا غرابة حين نقرأ في تراجم خاصة الناس وعامَّتهم أو شرفاء المجتمع وسُوقته ما يدعو للتأمُّل في نمط الحياة الذي كانوا يتَّخذونه ونوعية التعامل مع الذات أو مع الآخرين، كان المواطن الإسلاميُّ يحمل عبء الحضارة كما يحملها أكبر العلماء في الشريعة والطبِّ والجغرافيا والفلك والرياضيات وكما يحملها القائد العسكري الموكَلُ بحماية الأراضي الإسلامية تمامًا، وهذا بالضبط ما نطلق عليه اليومَ الشهود الحضاري.

 وبعبارة أخرى: أن يفهم الإنسان موقِعَه في الحياة. لأن الفرد حين يفقد قيمته ويجهل أهمّيَّتَهُ لنفسه أو لمجتمعه فسيكون فردًا خاملًا، وستضيع طاقته هَباءً حتى تُستنزَف أيام عُمره في حركات روتينية تنحصر في إرادة البقاء فقط .. هكذا باختصار كان العمل، هو جمرةَ الحضارةِ المشتعلةَ دومًا، والعمل هو المحطَّة الثالثة بعد محطَّتيْ الفكرة والكلمة، هذا ما جعل الشريف الإدريسي يجوب البلدان على قدميه أو راكبًا الخيلَ والسفن أحيانا ليقدِّم لنا أهمَّ ورقةٍ جغرافية هي الأساس الحقيقي لخرائط اليومَ، رسم الإدريسي خريطة الكرة الأرضية بدقة مدهشة وكأنها محاكاةٌ لما تلتقطه الأقمار الصناعية اليومَ، ما الذي جعل رجلًا ينطلق من أقصى المغرب إلى سائر بقاع الدنيا حتى يرسمُ ورقة واحدة؟ إنها الفكرة ثم القرار ثم العمل، الفكرة التي تعني الوعيَ بالحق في المعرفة والوعيَ بالواجب المُلقَى على عاتق المسلم في أن يقدِّمَ خدمةً للبشرية، هذا الوعيُ هو الذي يخرج الإنسان من حياة الأنانية (الصورة النفسية للرأسمالية) إلى التفاعل الاجتماعي الإيجابي.

ومثالٌ آخر نجده عند أحد علماء الحديث في القرن الثالث الهجري وهو أبو حاتم الرازيُّ (195 هـ – 277 هـ) الذي قال عن نفسه: لقد مشيتُ بقدميَّ هاتين ألف فرسخٍ لسماع الحديث النبوي، والفرسخ بالتقريب يساوي 5 كيلومتر، فالرجل قطع 5000 (خمسة آلاف) كيلومتر مشيًا على الأقدام من أجل كتابة الأحاديث النبوية سماعًا من شيوخ الرواية آنذاك، ولا أريد التوسُّع بسرد أمثلة أخرى لأن المقامَ لا يكفي لذلك، والمقصود هو أن رغد الحضارة لا يأتي إلا بصرف طاقة كبيرة لتحصيل المعرفة، ثم تحويلها إلى إنجاز ميداني حسب تنوُّع مجالاتها، وهذا يعني استثمار الإنسان لإنسانيَّته المتمثلة في القوة العقلية، والقوة الأخلاقية، والقوة الجسدية.

 هنا أستحضر مقولة المفكر العبقري مالك بن نبي في كتابه العظيم: شروط النهضة: إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة فهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلامًا مجردًا، فإذا كانت الفكرة هي خط البداية فإنها لن تؤتيَ أكلها وثمرتها إذا بقيتْ كذلك حتى تتجسَّد في العمل الذي هو الصورة المادِّيَّة لتلك الفكرة، وهذا ما سوف نلمسه إذا درسنا حياة أية شخصية إسلامية من خلال كُتُب التراجم المشرقية والمغربية والأندلسية على حدِّ السواء، أما كلامي فقد خصَّصتُهُ لإبراز كيف تحققت شروط النهضة، لدى أحد كبار الأعلام في الجزيرة الإيبيرية ألا وهو ابن حزم الأندلسي، وإن كان قد تناوله كثيرٌ من الباحثين العرب والأوروبيين بالدراسة من عدة جوانبَ، إلا أني قصدتًّ إلى تسجيل العمل الحضاري أو الحركة – كما يسميها مالك بن نبي – التي طبَعت حياةَ ابن حزمٍ حتى يصل إلى ما وصل إليه من مجدٍ علميٍّ، وقبل ذلك أبدأ بترجمة مقتضبة لهذه الشخصية الأندلسية من بعض المصادر التي ترجمت له مثل: جذوة المقتبس، لتلميذه الحُميدي، والصِّلة، لأبي القاسم ابن بشكوال، وسير أعلام النبلاء، للذهبي وغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد