3- كتاب «الفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل»

هذا الكتاب هو بحقٍّ موسوعة كبرى في علم أصول الدِّين بما يحتويه من فروع أساسية كعلم العقائد ومقارنة الأديان ومناقشة الطوائف الإسلامية، وقد جعله ابنُ حزم في خمسة أجزاء وبسط الكلام في كل جزءٍ حسب الترتيب الذي سأذكره فيما بعدُ، واعتمد في تقرير العقيدة الإسلامية والردِّ على أصحاب الديانات الأخرى والطوائف المخالِفة؛ منهجه المبنيَّ على «نظرية المعرفة»، وقد بيَّنتُ سابقًا أسس هذه النظرية التي تجعل العقل آلة مميزة للأشياء وتستخدم اللغة للبيان استخدامًا صارمًا للألفاظ والتراكيب لأن الحقائق والكُلِّيَّات الأساسية لا تستقرُّ إلا إذا كان العقل هو المرجعية الأولى في التفكير، وهذه البديهية هي أول قاعدة تتعرض للنقض أثناءَ الجدل بسبب ما يعترض العقولَ من أهواء وانتماءات تتحكم في أصحابها، وإلا فلو سقطت تلك العوارض ورُفِعت تلك العوائق عن عملية التفكير لاتفق النُّظَّارُ والمُناظِرون على كل شيء، وأما الشِّقُّ الثاني من نظرية المعرفة فهو يتمثل في قداسة اللغة لكونها وسيلة التخاطب أو الصور المادِّيَّة لنقل الأفكار بين العقول، ولا تؤدي وظيفتها هذه إلا إذا كانت مفرداتها مضبوطةً بحدود صارمة، ولهذا نجد ابن حزمٍ في كل مُباحثاته مع من يخالفه يركز على دلالة الألفاظ ولا ينتقل إلى المراحل التالية من الحوار حتى يُثبِّتَ حدود الكلمات لأن الكلام هو مادة النقاش بين المتناظِرين، وانضباطه يعني انضباط النقاش وتميُّعُه يعني أن طرفي الحوار سيصلان إلى طريق مسدود، وهذا منهجٌ كُلّيٌّ شموليٌّ يستعمله الإمام أبو محمد في كل معاركه العلمية سواء في الأصول أو الفروع.

وأما كيف بدأ ابن حزم كتابه «الفصل» هذا فبعد إيراده للمقدِّمة المعتادة ذكر أصول أقوال المتنازِعين في العقائد سواءٌ كانوا من أهل الإسلام أو غيره، فسرد أقوالهم باقتضاب ثم انتقل إلى أهم قضية سيرتكز عليها في سائر أقسام الكتاب، وذلك أنه عقد بابًا مختصرًا في طرق الاستدلال التي يجب على كل المتنازِعين الرجوع إليها خلال المناظرات، وسأنقل طَرَفًا من كلامه في هذا الباب حتى تتبين طريقته التي التزمها في مناقشة كل من يخالفهم سواءٌ الإسلاميون أو غيرهم، يقول أبو محمد ابنُ حزم:

«بَاب مُخْتَصر جَامع فِي مَاهِيَّة الْبَرَاهِين الجامعة الموصلة إِلَى معرفَة الْحق فِي كل مَا اخْتلف فِيهِ النَّاس وَكَيْفِيَّة إِقَامَتهَا.

هَذَا بَاب قد أحكمناه فِي كتَابنَا الموسوم بالتقريب فِي حُدُود الْكَلَام وتقصيناه هُنَالك غَايَة التَّقَصِّي وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، إِلَّا أننا نذْكر هَاهُنَا جملَة كَافِيَة فِيهِ لتَكون مُقَدّمَة لما يَأْتِي بعده مِمَّا اخْتلف النَّاس فِيهِ يرجع إِلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: إن الْإِنْسَان يخرج إِلَى هَذَا الْعَالم وَنَفسه قد ذهب ذكرهَا جملَة فِي قَول من يَقُول إنَّهَا كَانَت قبل ذَلِك ذاكرة أَولا ذكر لَهَا الْبَتَّةَ فِي قَول من يَقُول أَنَّهَا حدثت حِينَئِذٍ أَو أَنَّهَا مزاج عرض؛ إِلَّا أَنه قد حصل أَنه لَا ذكر للطفل حِين وِلَادَته وَلَا تَمْيِيز إِلَّا مَا لسَائِر الْحَيَوَان من الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية فَقَط فتراه يقبض رجلَيْهِ ويمدها ويغلب أعضاءه حسب طاقته، ويألم إِذا أحس الْبرد أَو الْحر أَو الْجُوع وَإِذا ضرب أَو قرص وَله سوى ذَلِك مِمَّا يُشَارِكهُ فِيهِ الْحَيَوَان والنوامي مِمَّا لَيْسَ حَيَوَانا من طلب الْغذَاء لبَقَاء جِسْمه على مَا هُوَ عَلَيْهِ، ولنمائه فَيَأْخُذ الثدي ويميزه بطبعه من سَائِر الْأَعْضَاء بفمه دون سَائِر أَعْضَائِهِ كَمَا تَأْخُذ عروق الشّجر والنبات رطوبات الأَرْض وَالْمَاء لبَقَاء أجسامها على مَا هِيَ عَلَيْهِ ولنمائها، فَإِذا قويت النَّفس على قَول من يَقُول أَنَّهَا مزاج أَو أَنَّهَا حدثت حِينَئِذٍ أَو أخذت يعاودها ذكرهَا وتمييزها فِي قَول من يَقُول إَنَّهَا كَانَت ذاكرة قبل ذَلِك وَأَنَّهَا كالمُفيق من مرض؛ فَأول مَا يحدث لَهَا من التَّمْيِيز الَّذِي ينْفَرد بِهِ النَّاطِق من الْحَيَوَان فهم مَا أدْركْت بحواسها الْخمس كعلمها أَن الرَّائِحَة الطّيبَة مَقْبُولَة من طبعها والرائحة الرَّديئَة منافرة لطبعها، وكعلمها أَن الْأَحْمَر مُخَالف للأخضر والأصفر والأبيض وَالْأسود وكالفرق بَين الخشن والأملس والمكتنز والمتهيل واللزج والحار والبارد والدفيء، وكالفرق بَين الحلو والحامض والمر والمالح والعفص والزاعق والتفه والعذب والحريف وكالفرق بَين الصَّوْت الحاد والغليظ وَالرَّقِيق والمطرب والمفزع.

قَالَ أَبُو مُحَمَّد: فَهَذِهِ إدراكات الْحَواس لمحسوساتها والإدراك السَّادِس علمهَا بالبديهيات فَمن ذَلِك علمهَا بِأَن الْجُزْء أقل من الْكل فَإِن الصَّبِي الصَّغِير فِي أول تَمْيِيزه إِذا أَعْطيته تمرتين بَكَى وَإِذا زِدْته ثَالِثَة سُرَّ وَهَذَا علم مِنْهُ بِأَن الْكل أَكثر من الْجُزْء وَإِن كَانَ لَا يتَنَبَّه لتحديد مَا يعرف من ذَلِك وَمن ذَلِك علمه بِأَن لَا يجْتَمع المتضادان فَإنَّك إِذا وقفته قسرًا بَكَى وَنزع إِلَى الْقعُود علمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يكون قَائِمًا قَاعِدًا مَعًا، وَمن ذَلِك علمه بِأَن لَا يكون جسم وَاحِد فِي مكانين فَإِنَّهُ إِذا أَرَادَ الذّهاب إِلَى مَكَان مَا فأمسكته قسرًا بَكَى وَقَالَ كلَامًا مَعْنَاهُ دَعْنِي أذهب علمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يكون فِي الْمَكَان الَّذِي يُرِيد أَن يذهب إِلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَكَان وَاحِد، وَمن ذَلِك علمه بِأَنَّهُ لَا يكون الجسمان فِي مَكَان وَاحِد فَإنَّك ترَاهُ يُنَازع على الْمَكَان الَّذِي يُرِيد أَن يقْعد فِيهِ علمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَسعهُ ذَلِك الْمَكَان مَعَ مَا فِيهِ فَيدْفَع من فِي ذَلِك الْمَكَان الَّذِي يُرِيد أَن يقْعد فِيهِ إِذا يعلم أَنه مَا دَامَ فِي الْمَكَان مَا يشْغلهُ فَإِنَّهُ لَا يَسعهُ وَهُوَ فِيهِ». (الفصل: 1/ 10- 11، طبعة قديمة نشرها محمد علي صبيح وأولاده وبهامشها «الملل والنحل» للشهرستاني، تاريخ الطبعة 1347 هـ – 1923 م، القاهرة).

كلام ابن حزم هنا يبدو غريبًا جدًا أو بعيدًا عن موضوع الكتاب الذي وضعه للكلام عن العقائد والفرق الإسلامية وجدال أصحاب الديانات الأخرى، ففي مقدمة هذا الباب يتحدث عن الطفل الصغير وكيف ينمو لديه الإحساس والتمييز وأنه في بداية خروجه للحياة يكون في مستوى سائر الحيوانات والنوامي (النبات) في تطلُّب الغذاء والماء فقط، ثم يبدأ في إدراك جملة من الحقائق التي تمثل بديهيات الحس كعدم القدرة على وجود جسمين في مكان واحد، وكعلمه بأن الثلاثة أكبر من الاثنين وهكذا، وإنما انطلق ابن حزم من هذه البديهيات حتى يؤسس مرجعًا للبرهنة المُلْزِمة للطرف الآخر في المناظرة، لأن استحضار بديهيات العقل والحسِّ هو فقط ما يمكن به فصل النزاع لأن تحليل الآراء والمَذاهب إلى جزئياتها يُفضي بإعطاء صورة أكثر بساطة لها وبذلك يمكن مناقشتها ويمكن للطرف الآخر العثور على موضع الخطإ في مذهبه الذي يتمسَّكُ به، والقدرة على تحليل الآراء تتوفر للمتمكِّن من مبادئ نظرية المعرفة التي لا يبرح ابن حزم في شرحها وتكرارها في كل مؤلفاته وأعماله تقريبًا، ويجب أن نعلم أن الكتاب الأساسي في هذه النظرية هو كتابه «التقريب لحد المنطق بالأمثلة الشرعية والألفاظ العامية» وهو الكتاب الذي لم أضع له بطاقة تعريفية هنا لأنه يحتاج دراسة مستقلة وقد أشار ابن حزم في هذا الباب من كتاب «الفصل» إلى أنه شرح طرق البرهان وأوجه الاستدلال في كتابه «التقريب» هذا، فهو المرجع الأساسي لمشروع ابن حزمٍ في كافة الميادين العلمية فحتى كتاب «الإحكام» إنما هو تطبيقٌ لكتاب «التقريب» في ميدان واحد من ميادين العلوم ألا وهو «أصول الفقه»، وكذلك «الفصل» هو تطبيق آخر للتقريب في ميدان آخر هو ميدان العقائد وأصول الدين، لذا يحاول ابن حزم استحضار مقدمات مختصرة من كتاب «التقريب» عند شروعه في أي مناظرة أو خلال تقريره لآرائه والانتصار لمدرسة أهل الظاهر، والمقصود أن هذا الكتاب العقائدي «الفصل في الملل والأهواء والنحل» افتتحه أبو محمد بتثبيت نظرية المعرفة حتى تكون أساسًا في مناقشاته وردوده على المخالفين.

أما طريقة ترتيب ابن حزم لكتابه هذا فقد خصص الجزء الأول لمجموعة من القضايا كالرد على الدهريين والتناسخيين ومناقشة مسائل يقول بها اليهود والنصارى، ثم خصص الجزء الثاني لمناقشة تفصيلية مطولة لعقائد النصارى ونقد أناجيلهم المحرَّفة تنمُّ عن اطلاع واسع على نُسخ الأناجيل ومعرفة معمَّقة بتاريخ المسيحية وتحريفها، وأما الجزء الثالث فخصصه للكلام عن مسائل القضاء والقدر والرد على الطوائف التي اشتُهرت بالكلام عن القدر والمسائل التي شاعت في هذا الباب كالإضلال والبدل والأصلح وخلق الأفعال وغيرها، وأما الجزء الرابع فكان ميدانًا للكلام عن النبوات والأنبياء ثم المفاضلة بين الصحابة وما تبع ذلك من تفصيل الكلام عن الإمامة والرد على الشيعة والخوارج وغيرهما من الطوائف المخالِفة لأهل الحق، وفي الجزء الخامس والأخير ناقش مسائل متفرقة كنُبُوَّة النساء والرؤيا والطبائع ومسألة الاسم والمسمى وغيرها من المسائل المشتهرة في فروع العقائد.

ويمكنني أن أختم هذه الورقة البحثية التي خصصتها لتوصيف مشروع ابن حزم وأنه نموذج للمسلم الفعَّال والحضاري؛ بالقول إن الفرد هو مجموعة متداخلة من الطاقات الذهنية والروحية والجسدية والتي تمثل عند استغلالها الحركة الأولية لعجلة الحضارة الإنسانية، وأن منطق العمل هو العنصر الغائب عن المجتمعات الإسلامية المعاصرة وهو ما جعل الأمة تقوم بدور المستهلِك وتغيب عن دور المنتِج، والحتمية الطبيعية تقتضي أن المستهلِك معرَّضٌ للتأثُّر بكل العوامل الخارجية المفروضة عليه من الجهات التي تنتِج له المواد والوسائل الضرورية لحياته، وهذا ما يعني الغياب الحضاري وانعدام الشخصية الإسلامية بل وذوبانها في الحضارات الشرقية والغربية القوية، يقول المفكر الكبير مالك بن نبي: «ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطق العملي في حياتنا، لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا، غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه فشيءٌ يكاد يكون معدومًا» (شروط النهضة، ص: 139).

ثم يقول: «ولقد يقال: إن المجتمع الإسلامي يعيش طبقًا لمبادئ القرآن، ومع ذلك فمن الأصوب أن نقول: إنه يتكلم تبعًا لمبادئ القرآن لعدم وجود المنطق العملي في سلوكه الإسلامي» (ص: 140).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد