موضوعُ سلسلتنا هو الشيخُ: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني، المُكنّى بتقيّ الدين، المشهورِ بابن تيمية. هذا الاسم الكاملُ لأحد أبرزِ العلماءِ في التّاريخِ الإسلاميّ وأكثرهم تدوينًا وحجاجًا، على الرّغم من أحداثِ سجنهِ ومُحاكماتهِ المشهورةِ، والتي نتبيّنها في طيّات السّلسلة.

(1)
وُلدَ الشيخُ ابنُ تيميّة سنة 661 للهجرةِ، وعاشَ طفولةً عامرةً بالعلمِ والرّفاه، تصدّر للفتوى والتّدريسَ وهو ابنُ سبع عشرة سنة، وتقلّدَ منصبَ رئيسَ المدرسةِ السّكرية (الحنبلية) خلفا لأبيهِ وهو ابنُ اثنين وعشرينَ سنة، وكانَ كما يذكر تلميذهُ الذهبي: «لم يبلغ أحدٌ في العصرِ رُتبته، ولا يقاربه، وأنّه ما رأى مثلهُ وما رأى هو مثل نفسه، حتى أنّ شيخهُ كمال الدين المقدسي يفتخرُ بأنّه من أذن لابن تيمية في الفتيا، لما رآه من علمه وحدّةِ ذكائه.

تصدى، بعد أن كان على مذهب الآباء في التوحيد ومسائل القدر على حد تعبيره، لنقض أصول الفرق الأخرى (المبتدعة) وتدعيم أسس مذهب السلف «ونصر السنة المحضة، والطريقة، احتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها». (الذهبي)

وقد كادت السلفية أن تنزوي لولا ظهور الشيخ؛ وقد كانت قبله ردود أئمة السنة محصورة في مجموعة مقالات نقلية تفتقر في معظمها للخوض في المباحث العقلية وخصوصًا ما يتعلّق بالفلسفة اليونانيّة، ومن هؤلاءِ -الرّادين على الفرق الأخرى- الإمام المقدسي وابن رجب الحنبلي في الرد على الأشاعرة، التي، على الرغم من ذلك، غزتهم في عقرِ دارهم (الحنبلية) فانتزعت منهم أعلاما كابن الجوزي.
وعمومًا، فالشّيخُ هو «الباني الحقيقي للمعمار السلفي» (ما بعد السلفية، أحمد سالم وعمرو بسيوني)، والداعم لها والتمثّلُ الحقيقي لمصاديقها الأولى ما بعد القرون الخيريّة الأولى وما بعدها.
وليسَ غَرضُنا من هذه السّلسةِ مدحَ الشيخِ ابن تيمية بقدرِ ما نبيّنُ المنهجَ التيمي في التعاطي مع النّصوص الشرعية، والمخالف، مع ذكرِ أهمّ ما يُستشنعُ عليهِ من أقوالٍ ومواقف مع بسطها بما يسعه المقام.
وسننتهجُ في ذلكَ طريقةً تلتزمُ الموضوعيّة وتحليلَ الخطابِ مع التّعليلِ غالبا.

(2)
السؤال المُتبادر لذهنِ القارئِ والمُتابع: لماذا ابنُ تيمية؟

نقولُ: اختيارنا للشيخِ، رحمه الله، مردّهُ لعدّةِ عواملٍ أكتفي بذكرِ أربعةٍ منها:
الأوّل، من النّاحية العلميّةِ والتي أزعمُ فيها أنّ منهجهُ شاملٌ، وواقعي، وسلِسٌ ومُتاحٌ للفهم والتّطبيقِ في غالبهِ خلافًا لبقيّةِ أهلِ الفرق من المسلمين.
الثّاني، من ناحية (اجتماعية-دينيّة) فالشيخُ ككثيرٍ من الأذكياءِ المُختلفِ فيهم يدورُ عندَ النّاسِ بينَ الزندقةِ والرّياسةِ، فالواجبُ على النّاظرِ في أحوالِ الرّجلِ أن يُنصفهُ من الكذبِ والبهتانِ المنسوبِ إليه، وينزلهُ منزلتهُ التي يستحقّ.
الثالث، تشابهُ فترةِ حياةِ الشّيخِ مع حياتنا المُعاصرة، ولمّا كانَ مؤثّرًا في سيرورة الأحداث رأيتُ أن يُطرحَ بطريقةٍ يسيرةٍ ومُحكمة، لأنّه يُمثّل البديل الحقيقي لنظمِ ما بعد الحداثة، والمُقيّد لعبثها في نظري.
الرّابع، لتميّزه عن غيرهِ من المنتسبينَ لمذهبِ السّنة من حيثِ الكمّ والكيفِ؛ من حيثُ الكتابةِ «وكانَ يكتبُ في بعضِ الأحيانِ في اليومِ ما يُبيَّضُ به مجلَّدٌ» (الذهبي)، ومن حيث كونهِ قطبًا في الردّ على المُخالفين من أهلِ الملل والنّحل.

(3)

هذه العواملُ الرئيسيّة التي أفضت بي للتّفكيرِ في نشرِ السّلسلةِ التيميّة، وذلك مقسم إلى محاور:

الأولى، حول البناء الفكري التيمي: المنطلقات والأدوات.

الثانية، حول التعامل مع المخالفين ومراتبهم.

الثالثة، خلاصات معرفية.

هذه مقالةٌ مُقدّمةٌ تليها بقيّة الأجزاء تِباعًا، إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سير أعلام النبلاء، الذهبي - القول الجليّ في ترجمة شيخ الإسلام تقي الدين، صفي الدين البخاري
عرض التعليقات
تحميل المزيد