توقفنا في القسم الأول من المقال عند نجاح أبينا إبراهيم وأمّنا هاجر في امتحان الفراق وتحدِّي الصعاب، وكيف أن الله نجّا إسماعيل وأمّنا هاجر -عليهما السلام- من الموقف العصيب، فآنسهم من الوحشة، وآمنهم من خوف، وبعد أن تجمعت القبائل حولهم لوجود ماء زمزم، وعاشوا حينا من الدهر لم تذكر المصادر التي اطَّلَعْتُ عليها الظروف التي عاشوا فيها، ولكن ما يبدو لي أن أمّنا هاجر أحسنت تربية ابنها إسماعيل –عليهما السلام- فكان معروفًا بصدق الوعد، والوفاء مهما كلّف الأمر، قال تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًا) ، كما كان فارسًا مهتمًا بأدوات البطولة، جاء في البخاري أن إبراهيم -عليه السلام- جاء لمكة: «ووجد ابنه من وراء زمزم يصلح نبلا له تحت دوحة عظيمة قريبة من زمزم» ، وفي كتاب حياة الحيوان للدميري «أول من ركب الخيل إسماعيل -عليه السلام- وكانت قبل ذلك وحشًا كسائر الوحوش»، ولذلك قال نبينا -صلى الله عليه وسلم- : «اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل»، وتُبرز هذه الأخبار رغم قِلَّتِها جانبًا من شخصية إسماعيل -عليه السلام- وكيف شبَّ على مكارم الأخلاق والقوة والشجاعة، ما دعا قبيلة جرهم اليمنية لتزويجه امرأة منهم.

ثم إن أمّنا هاجر -رحمها الله- توفيت بعد أن قضت حياتها صابرة محتسبة، وكان إبراهيم -عليه السلام- يعيش وقتها في فلسطين ويتعاهد ابنه إسماعيل بالزيارة من حين لآخر رغم بعد المسافة، وفي ذلك دلالة على عاطفة الأبوة الجياشة لأبينا إبراهيم، ولذا شكّل امتحان الله له في ابنه إسماعيل نجاحًا في التغلب على عاطفة الأبوة.

وفي إحدى الزيارات جاء إبراهيم لابنه إسماعيل؛ ليخبره عن تلقيه أوامر عليا من لدن حكيم خبير، مفادها: «إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى»؟!! لقد كان امتحانًا عظيمًا لأبينا إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام- فكان ردّه بلطف: «يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين» تدور أحدث القصة سريعة وتشفَّر منها المشاهد المؤلمة، والتي لا تستطيعها القلوب الضعيفة ولا حتى القوية، ومن تلك المشاهد المشفَّرة المستوحاة من بنيات خيالي اختيار سيدنا إبراهيم -عليه السلام- للسكين التي سيذبح بها ابنه، وعلى أي أساس اختارها أهي حادة سريعة القطع؛ حتى ينهي مهمته سريعًا أم هو سكين منثلم؛ رحمةً منه بابنه إسماعيل؟!! والمشهد الآخر هو لحظة إعلام سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لابنه إسماعيل بموعد التنفيذ، هل كان وقتها نائمًا أو يَسْمُر مع أهله، أو يلاعب أبناءه، وما هي حاله -عليه السلام- بعد إعلامه بلحظة التنفيذ؟ كيف ودّع أهله؟ ومتى خرج الأب سيدنا إبراهيم -عليه السلام- بابنه إسماعيل هل كان في الظهيرة أم في ظلمة الليل؟ ما هي الأحاديث التي كانت تدور بينهم وهم في طريقهم لساحة الذبح؟ أم أن الصمت كان يتحدث سرًا في أرواحهم؟ ولعلَّ من المناسب هنا أن نستذكر كيف آثر إبراهيم -عليه السلام- الصمت في مثل هذه المواقف فمثلا عندما وضع أمّنا هاجر وابنه إسماعيل –عليهما السلام- في مكان موحش فقالت له: «يا إبراهيم ، أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟» فقالت له ذلك مرارًا، وهو لا يلتفت إليها، فقالت له أخيرًا: «آلله الذي أمرك بهذا؟» قال: نعم. فكان جوابه -عليه السلام- مقتضبًا وكأنه يؤثر الصمت، وربما يجدر بِنَا أن نحيل المسألة من علماء التفسير إلى علماء النفس كما نحيل المسألة الفقهية أحيانا للطبيب عندما يتعلق الأمر بتخصص الأبدان، ومن خلال ما اطَّلعتُ عليه من تأويلات علماء النفس في معاني الصمت أنه قد يكون نتيجة للألم ويكون للتجاهل؛ لعدم جدوى النقاش ويكون نتيجة للمصيبة غير المتوقعة، ويكون للتفكير والاستغراق للبحث عن حل للمشكلة.

وهنا لا يمكننا الجزم بسبب الصمت؛ لأن من نحن بصدد الحديث عنه نبي له من الصفات التي تخرج عن المقاييس الاعتيادية ، ولكن يبدو أن صمت إبراهيم -عليه السلام- كان لسبب الله أعلم به، وتبقى الاحتمالات مطروحة وتحتاج بحثًا نفسيًا تحت أرضية شرعية تحفظ قداسة الأنبياء.

كل تلك التفاصيل وغيرها لم تذكرها المصادر ولكن أشارت للنزر منها؛ لترك مجال البحث مفتوحًا أمام ثورة العلم الأدبية والنفسية ومن ورائها الشرعية، ومن ذلك قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين) حيث جاء في تفسير الطبري عن مجاهد قال: «وضع وجهه للأرض قال: لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني، ولا تجهز علي، اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي للأرض.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك