لي صديق رافقني في رحلة الكتابة منذ بداياتها؛ وكان يحلو لي في منتصف التسعينيات أن أسأله:

ـ تُرى في وسط الأفق السياسي «المزكوم» أو المسدود في مصر والوطن العربي والأزمات بخاصة الاقتصادية والاجتماعية التي تموج وتعج البلاد بها، هل من أحد ينتبه إلى كلماتنا ومقالاتنا وقصصنا عن الوعي ومنظومته والثقافة والفن وضرورتهما؟

   كان صديقي يجيب في سرعة:

ـ إنك لا تبحث عن كثرة أو عدد وإنما تسأل الله أن يوفقك إلى قارئ صادق، يفهم ويدرك ويعي الهدف الذي نكتب لأجله وربما فاقنا وعيًا وفهمًا وبالتالي حركة في الحياة.

   تفجرتْ هذه الكلمات بداخلي واستعادها القلب قبل العقل في فرح وسرور وحبور شديد، لما لقيني في «الاجتماع الخامس لاتحاد علماء المسلمين» في إسطنبول منذ أيام رجل تبدو على محياه ومظهره دلائل وعلامات الوقار الشديد؛ مع لماحية في الفهم وسرعة في الرد دون تقصير في استيعاب السؤال ولا إسهاب في الإجابة، بل تبدو كلماته متناسقة تجيد وصف وتوصيف حياتنا الدنيا والهدف منها وكيف نصل إلى الآخرة بأمان وسلام.

   قال لي الدكتور «إبراهيم أبو محمد» لما عرفني به الصديق الدكتور «خالد حنفي»، أحد أبرز علماء الدين المسلمين العرب في ألمانيا:

ـ هناك كاتب مجيد يكتب في «ساسة بوست» اسمه فلان الفلاني، هل تعرفه أو بينك وبينه قرابة؟

   لوهلة فوجئتُ وبوغتُ،  فقد ذكر الدكتور اسم كاتب هذه الكلمات فقلتُ له بعد حين:

ـ إن كنتَ تقصد الكاتب المصري فهو الذي يحدثك الآن.

  لم أكن أتخيل حجم السعادة ولا الحبور ولا الزهو الذي ظهر على العالم وهو يربت بيده على ظهره قائلًا:

ـ فكر عميق وفهم رائق للأحداث والحياة وتناول جاد، استمر يا بني، إنني من متابعيك على «ساسة بوست» وسأظل!

  هذه المرة جاء القارئ الواعي المدرك الفاهم، بل العالم الذي يتلقى الكلمات والمعاني فيزيدها بهاء وجمالًا وألقًا ويضيف إليها من تجاربه ومعانيه وعلمه الغزير، ثم هو من تواضعه في النهاية يذكر مثلي والموقع الذي ينشر فيه بكل خير، جاء القارئ العالم من قارة أستراليا!

   الكلمات الصادرة عن مفتي أستراليا «إبراهيم أبو محمد» كانت إحدى ما يسميه كثيرون بالرسائل الإلهية التي تشد من أزرنا وتؤكد لنا أننا نمضي على الطريق السوي الصحيح؛ وإن هناك من وراء البحار والمحيطات وفي قارة نائية منفردة من هو مثل العالم الفاضل يتابع الكلمات ويراقبها ويتفهمها، بل يتمنى لقاء صاحبها؛ فما بالنا بالقريبين منا أو الذين نتمنى أن تصل إليهم كلماتنا ومدلولاتها في جميع أنحاء وطننا العربي لا مصر وحدها.

  إن خير لحظة في عمر الكاتب هي التي يخبره فيها إنسان فاضل وعالم ناجح وذو تأثير في عالمنا أنه يقرأ الكلمات ويتفاهم ويتفاعل معها، فما يريد كاتب من الحياة سوى إنسان يدرك أنه يحاول الحياة ويتحمل متاعبها من أجل أن يتأثر بها قارئ فما بالنا لو كان القارئ عالمًا مجيدًا في مجاله؟!

 وإنها لإحدى حسنات الفضاء الأزرق بخاصة المواقع الإلكترونية و«ساسة بوست» من حيث إذابة الفوارق بين المجتمعات الإنسانية ودول العالم والوصول بالكلمة الصادقة والتجربة التي تحاول التعبير عن مآلات ونتائج حياتنا إلى مختلف أرجاء ودول العالم؛ والتلاقي الإنساني الذي يصنع الحياة في حقيقتها وبهائها وجلالها ووقارها قبل جمالها؛ فنشعر أننا ما زلنا لا نحيا فحسب بل نؤدي رسالة نسأل الله أن يتقبلها ويجعلها في ميزان حسناتنا!

  والشكر موصول لكل عالم فاضل وإنسان رائع يزرع الزهور والخير أينما حل أو ارتحل ولو أقام خلف المحيطات وفي قارة بعيدة!

                                                                          وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد