هُو مَن نُنسب إليهِ، وأيُّ نسبٍ عظيمٍ كنسبنا لإبراهيم، هُو من سمانا مُسلمين «مِلَّةَ أَبِيكم إِبراهيم هُو سماكم المسلمين»، وأيُّ اسمٍ عظيم اختاره لنا، هُو من تركَ لنا أثرًا طيبًا، وعبقًا فريدًا مُميزًا، كانت لنا فيهِ أُسوةٌ حسنة، وَقُدوةٌ طيبةٌ مُباركة.

اختارهُ الله ليكون أبًا لإسماعيل وإسحاق، بل للعربِ جميعًا، وزادهُ الله قدرًا وشأنًا، واصطفاهُ نبيًّا، واصطفاهُ على العالمين، ثم ازداد قدره أكثر وأكثر فكان خليلَ الله، وأيُّ خلٍ رُزقَ إِبراهيم.

– إبراهيم صبورًا حكيمًا

عاش سيدنا إبراهيم مع قومٍ يعبدون الأصنام، يصنعونها بأيديهم، من الخشب والحجارة، ثم يعبدونها، ويتضرعون إليها لِتُذهب همهم وحزنهم، ترزقهم وتحميهم وتشفي مريضهم.

أخذَ يدعو أباهُ بلطفٍ ولينٍ، ويسألهُ قائلًا: يا أبتِ لِم تعبدُ ما لا يسمع ولا يُبصر، لِمَ تعبدُ ما تصنعه بيدك، يا أبتِ إنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئًا، ولما أعرض أبوه عنه، وهددهُ برجمه إن لم يكف عن الدعوةِ إلى الله، ذهب إبراهيم، عليه السلام، وكان بارًّا بأبيهِ حتي في لحظات كفره وعناده، وقال له: «سأستغفر لك ربى»

واجه قومه بالحجةِ والبرهان، واعتمد على الأدلةِ الواضحة التي يريدها العقل ليبصر ويُزال الضلال عنه، فنظر إلى السماء وسألهم عن عبادتهم للكواكب، فلما رأى الكوكب ظاهرًا في السماء، قال هذا ربي، فلما غاب عنه قال لقومه كيف يمكننا أن نعبد إلهًا يذهب ويجيء، ثم رأى القمر ظاهرًا، فقال هذا ربي، فلما اختفى كرر عليهم حجته، ثم ظهرت الشمس وعادت الكرة ذاتها، فلما غابت وأفلت قال لقومه، إنه لن يعبد إلا الله، الله الذي فطر الكون وخلقه، الله الموجود دومًا، لا يذهب حتى يجيء، بل موجودٌ دائمًا.

ثم واصل دعوته، عليه السلام، فحمل فأسًا بيده وبدد الأصنام كلها إلا أكبرهم، فلما رجع قومه ورأوا آلهتهم مُحطمة، اتهموا إبراهيم، عليه السلام، بأنه الفاعل، وذلك لما أُشيع عنه من صدوده وإعراضه عن عبادة الأصنام، فلما جاءوا به وسألوه، فأجاب بأن اسألوا كبيرهم هذا إن كانت الأصنام تنطق، وكان يُريد من هذا الموقف أن يخبر قومه بالأدلةِ أن الأصنام لا تنفع ولا تضر، ولا تملك لأنفسها شيئًا، فكيف تكون آلهة.

واجتمع قومه على أن يُلقوا بهِ في النار، فتحرقهُ النار جزاءً على ما فعل بآلهتهم، وأرادوا بهِ كيدًا، وجعل الله كيدهم في نحورهم، وأمر سبحانه النار أن تكون بردًا وسلامًا على سيدنا إبراهيم، ولو كانت بردًا فقط، لمات إبراهيم بردًا، ولكن أرفق الله السلام بالبرد لتكون آمنةً عليه، لا تُصيبه بأي أذى.

– دعوته عليه السلام للتأمل وإعمال العقل

آمن سيدنا إبراهيم بقدرةِ الله على كل شيء، وكذلك آمن بقدرته علي البعثِ، وورد في القرآن قصته مع الطيور، فسأل الله، سبحانه وتعالى، أن يُريه كيف يُحيي الموتى، فسأله الله أولم تُؤمن يا إبراهيم، فكان الجواب بأنه قد آمن بالفعل، ولكنه يُريد أن يطمئن قلبه، لأن الإيمان موطنه القلب، ولكي يطمئن قلبه فقد طلب من الله ما طلبه، فأمره الله أن يأخذ أربعةً من الطير، يُقطعهن ثم يجعل على كل جبلٍ منهن جزءًا، ثم ينادي عليهم إبراهيم، فيحي الله الطيور، وتأتي ملبيةً لنداء أبي الأنبياء.

-يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا

رُزق إبراهيم، عليه السلام، بإسماعيل من زوجه سارة، ولما صار إسماعيل فتىً، وخرج مع أبيه، فأخبره عليهِ السلام أنه رأى في المنام أنه يذبحه، ثم سأل ابنه وفلذة كبده، يا بُني ماذا ترى؟

ورؤيا الأنبياء حق، فهي من الله، عز وجل، ووقوعها أمرٌ نافذ لا محالة، يا الله كم كانت صعبةً على الخليل أن يُبلغ ابنه الذي أتاهُ في كبره بأنه مأمورٌ بذبحه، لقد أثبت بفعله هذا بأنه خليلٌ للهِ حقًّا.

ثم جاءهُ الرد من ابنٍ بارٍّ بأبيه، واثق بالله ومؤمن به، يوقن بأن أقدار الله كلها خير، وبأن الله هو الأحن، وهو بارٌ بوالده، يفعل ما يأمرهُ أبوه به، لأن فيهِ الخير، الخير وحسب.

ثم ناداهُ الله، عز وجل، بأن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين، وفداه الله بكبشٍ عظيم، وصارت الفدية نهجًا نتبعه في حياتنا، ننحر في أيامِ العيدِ أُسوةً وقدوةً بإبراهيم النبي، فصار العيد عيدين، فهنيئًا لنا بمن سمانا مُسلمين.

– بناؤه للكعبةِ المُشرفة

أَمرهُ الله – عز وجل- أن يبني الكعبةَ برفقة إسماعيل، وقد كانت الأساسات موضوعةً من قبل، فأكملا البناء معًا، وهما يرددان «رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم»، واستخدم إبراهيم، عليه السلام، حجرًا ليقف عليه ويساعده في إعلاء البناء، وقد كان، وتركت آثار لقدمه الشريفة على الحجر، وإلى الآن يُعرف الحجر بمقام إبراهيم.

وكرم الله سيدنا إبراهيم، وجعل مقامه موجودًا حتى الآن، نتخذ من مقامه مصلى كما أمرنا الله، فما من حاجٍ أو مُعتمر إلا وصلى بمقامِ إبراهيم، عليه السلام.

اتخذه الله خليلًا، اصطفاهُ وجعله نبيًّا، وأبًا للأنبياءِ والمُرسلين، وجعل من نسله خاتم الأنبياء والمرسلين، والماء الذي انفجر لِيكون سقيًا لابنه وزوجه، صارَ سُقيًا لملايين من البشر حتى وقتنا هذا، وسعي امرأته من الصفا للمروة، صار منسكًا وركنًا أساسيًّا من الحج والعمرة.

صلى الله على إبراهيم وإسماعيل وجميع الأنبياء والمرسلين، ورزقنا أن نتخذهُ أسوةً وقدوة، نهتدي بهِ في هذه الحياة، فننجو ونسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد