لفت إبراهيم أصلان الأنظار إليه من خلال قصصه الأولى المنشورة في الملحقات الأدبية للجرائد في بداية الستينيات وكانت مادة للحوار في مقهى ريش حيث مجلس نجيب محفوظ.

اعتبر أصلان نفسه منذ البداية كاتبًا للقصة القصيرة ولم يكن يفكر في كتابة الرواية، لكن القدر كان له رأي مغاير حين كتب له نجيب محفوظ ومن بعده لطيفة الزيات تزكية للحصول على إجازة تفرغ. في هذا الوقت لم يكن الكتّاب يتقدمون للحصول على إجازة تفرغ، ولا يحدث هذا بدون تزكية من كاتب كبير.. وقد كان.

وحصل أصلان على تفرغ لمدة عام قابلة للتكرار، ونشرت الصحف الخبر بأنه حصل على التفرغ لكتابة الرواية. وكذب أصلان الخبر باعتباره قاصًا وليس روائيًا، لكن الرد أتاه بأن إجازة التفرغ لا تمنح لكتابة القصص ولكن للروايات، والمسرحيات، والأبحاث. قبل حصوله على التفرغ نشر أصلان مجموعته القصصية الأولى «بحيرة المساء» عام 1971م. وعندما وجد أنه لا بد أن يكتب رواية كتب رائعته «مالك الحزين» التي نشرها بعد أن بدأ كتابتها بأكثر من عشر سنوات عام 1983م. توالى نتاجه الأدبي بعد هذا وكتب: يوسف والرداء 1987 (مجموعة قصصية)، وردية ليل 1991 (رواية)، عصافير النيل 1999 (رواية)، حكايات من فضل الله عثمان 2003 (مجموعة قصصية)، خلوة الغلبان 2003 (أدب سيرة ذاتية)، شيء من هذا القبيل 2007 (نصوص متنوعة)، حجرتان وصالة: متتالية منزلية 2009 (متتالية قصصية).. وبعد موته نُشر له كتابان آخران هما: صديق قديم جدًا (رواية)، انطباعات صغيرة حول حادث كبير (نصوص) 2015.

أسلوب إبراهيم أصلان

ما يجعل أصلان متميزًا أنه خلق لنفسه أسلوبه الخاص، بالرغم من أن الكلام الذي يكتبه يحتوي على الكثير من المفردات الركيكة لكن الأسلوب في معيار النقد لا يقاس بالكلمة، فقد تكون الكلمة ركيكة لو أتت بمفردها لكن تركيب الجملة عند أصلان وروعتها يجعلك ترى الكملة في أبهى ثوبها، بحيث ترى أن الكلمة الفصيحة لو أتت موضع هذه الكلمة لن تؤدي نفس دورها ولن تكون بنفس روعتها، وهنا تكمن عبقرية أصلان وجمال أسلوبه. أسلوب نابع من البيئة التي يكتب عنها حيث الكيت كات وفضل الله عثمان وحارة حواء.
لو تحدث أصلان عن أي شيء ستحب أن تقرأ؛ فطريقته في الحكي ساحرة.
إبراهيم أصلان يصنع من الموقف البسيط حكاية جميلة ذات مغزى إنساني عميق.

عمّا يكتب إبراهيم أصلان؟

أصلان يكتب عن البسطاء والمهمشين، يلتقط الحدث العادي ليحوله إلى حكاية بديعة، يرتفع فوق المشهد وينظر عليه من فوق ويتحدث عنه ببساطته المعهودة دون تكلف أو مبالغة، يحكي اللحظة ويغوص في تفاصيل دون الحديث عنها.
أنت باعتبارك قارئًا لأصلان إن لم تستنبط من هذه الأحداث البسيطة شيئًا ورأيتها مجرد أحداث سطحية لا غاية منها فاعذرني يا صديقي فأنت لم تقرأ شيئًا. «حجرتان وصالة» أكثر ما يمثل ما قلته، وعندما يرى البعض أن هذه القصص سطحية سيرى من يفهم أصلان أنها أعظم ما كتب.

أصلان أفضل من يجعلك ترى كيف يفكر العواجيز

جرب أن تقول لكاتب شاب أن يرسم لك شخصية عجوز، سيفعل، ولكن من وجهة نظره السطحية، ومهما برع لن يرسمها كما فعل أصلان في صديق قديم جدًا أو في حجرتان وصالة أو كما فعل ماركيز في ذاكرة غانياتي الحزينات؛ لأنهم عند كتابتهم لهذه الروايات كانوا عواجيز، لن يصفوا لك العجوز بأنه الشخص الذي يعرج وهو يمشي أو أنه مليء بالتجاعيد أو كل هذا الهراء الذي ندركه عند النظر لكبار السن، بل سترى ما بداخل هذه الشخصيات وتعرف ما هو شعورهم، هذه الكتابات من الأعمال الإنسانية الرفيعة.

أحيانًا يصبح معقدًّا

أتذكر أن بدايتي مع أصلان كانت سيئة بقراءة «يوسف والرداء» حيث كان التعقيد هو المسيطر على القصص بخلاف أصلان الذي عرفته بسيطًا في كتابات أخرى لاحقة، ربما «بحيرة المساء» كانت بها بعض القصص الغامضة لكن «يوسف والرداء» حالة مختلفة للغاية لا أنصح بها أحدًا يريد التعرف على أصلان، وبالرغم من أني لم أفهم شيئا، لكني كنت مقتنعًا بما يحدث ومستمتعًا به أحيانًا، حتى وإن كانت الأحداث غير منطقية كتحول شربهم للشاي إلى البيرة بعدما ينتهي أحدهم من كلامه، أنا لا أعرف كيف حدث هذا لكني مقتنع بأن هذا حدثٌ طبيعي. أدركت وقتها أني أمام قاص وحكّاء رائع حتى في أسوأ ما قرأت له، ليثبت لي بعد قراءة بعض أعماله إني كنت محقًا، وبعد أن أنهيت أعماله –للأسف- أصبح واحدًا من كتّابي المفضلين.

الأفلام تشوه كتابات أصلان

بالرغم من عظمة فيلم «الكيت كات» لداود عبد السيد، والمأخوذ من رواية «مالك الحزين»، والدور العظيم الذي قام به محمود عبد العزيز وشخصية الشيخ حسني التي تعد من أفضل الشخصيات السينمائية -من سيقرأ شيئا من هذا القبيل سيدرك أن الشيخ حسني شخصية حقيقية-، إلا أنه لم يعرض سوى شخصية واحدة من عشرات الشخصيات التي قامت عليها الرواية، أما عن مقارنة الفيلم بالرواية فأنا أرى أن كل فن له معاييره، فلا مجال للمقارنة بينهما، الرواية رائعة، ولأن الفيلم عظيم بحق يرى البعض أنه قد يجور بحق الرواية لكني لم أر هذا، فالفيلم تمركز حول شخصية واحدة والرواية تمركزت حول العديد من الشخصيات فكانت بالنسبة إلي أكثر سحرًا من الفيلم.

بشكل أسوء هذه المرة حدث هذا مع «عصافير النيل» التي تحولت لفيلم قام بالسيناريو والإخراج له مجدي أحمد على، بطولة فتحي عبد الوهاب، وتمركز الفيلم على شخصية وحيدة من عدة شخصيات مهمة في الرواية وهي شخصية «عبد الرحيم»، وشُوهت الرواية بشكل أسوء مما حدث مع «مالك الحزين».

حين تقرأ لإبراهيم أصلان ستدرك ألّا شيء أفضل من البساطة.. حتى العمق ينبع من البساطة.
رحمة الله عليك يا عم أصلان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد