عام 1956 في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي برئاسة خرشوف، المنظمة التي تدير الاتحاد السوفيتي كله آنذاك، وقد أصبح خرشوف قادرًا على قول ما يشاء، هاجم لأول مرة سلفه ستالين ووصفه بالدموي وأنه وثق بهتلر وما كان يجب ليرسل له أحد أعضاء الحزب ورقة مكتوب فيها «أين كنت يوم كان ستالين يصنع هذه الأمور» ليسأل خرشوف بدوره عمن أرسل هذه الورقة ولا يجد مجيبًا ليجيب خرشوف في النهاية «كنت أنا في أيام ستالين كما أنت الآن أمامي».

فهذا العهر والجبن الذي فعله خرشوف ورفيقه لم يفعله أبدًا الصحفي إبراهيم عيسى الذي كان يقول في حق الرئيس الأسبق مبارك ما لم يستطع غيره قوله، وذلك في فترة حكم مبارك، وإذا به بعد ترك الرئيس مبارك الحكم لم ينطق «إبراهيم عيسى» بكلمة واحدة تهاجمه، بل إنه شهد شهادة في المحكمة وصفت من كثيرين بأنها في صالح مبارك وأحد أسباب براءته!

فهل بيننا إنسان مثل هذا هل هناك مثيل لهذه الشهامة والرجولة والأخلاق في وطن أصبح فيه كل هذا أشياء نشاهدها فقط في الأفلام!

إبراهيم عيسى الإنسان بتوقفه عن مهاجمة مبارك بمجرد تركه الحكم وشهادته هذه الشهادة في المحكمة أعطانا جميعًا درسًا في الأخلاق والخير المجرد، لعلنا نعيه جيدًا ونعلمه لأبنائنا لعلهم يفلحون، درس لا يفهمه من اعتادوا الخوض في الأعراض والحياة الشخصية وتسجيل المكالمات الهاتفية الشخصية، وبالطبع لم يكن لمبارك سيف ولا رمح ليرهب أحدًا بعد تركه الحكم، حتى إنه هاجمه كل من هب ودب حتى من كانوا كبار مؤيديه ومطبلاتيته، حتى مصطفى بكري هاجمه، وإن فتح منبر إعلامي لأحمد موسي في ذلك الوقت لهاجمه أيضًا، وهؤلاء جميعًا لم يكونوا يستطيعون أثناء فترة حكمه النطق بشفتي كلمة، وكان كبيرهم بما فيهم التيارات الدينية مهاجمة الحكومة أو رئيسها دون المساس بالرئيس مبارك، على عكس إبراهيم عيسى الذي كان يوجه سهام نقده مباشرة إلى الرئيس مبارك أثناء فترة حكمه.

لا أجد أي غرابة عندما تهاجم الأنظمة العسكرية والتيارات الدينية ومؤيديهم إبراهيم عيسى ويضيقون الخناق عليه أثناء فترة حكم كل منهما، بل يتهمونه الاتهامات البالية نفسها!

فهذا ليس معناه سوى شيء واحد هو أن الأنظمة العسكرية والتيارات الدينية هما وجهان لعملة واحدة، وأن الصراع بينهما مجرد صراع على الحكم، وهذا الشخص الذين يشتركون في مهاجمته هو العملة الأخرى العملة النادرة التي يحتاجها هذا الوطن للخلاص من بؤس هذا كله، وهذا ما ينطبق أيضًا على الدكتور محمد البرادعي الذي لم يكف كلتا النظامين عن مهاجمته يومًا وترديد الشائعات عليه!

ربما تعتبرون كلامي ضربًا من الجنون، ولكني أقول لكم ألم تسمعوا عن مارسيلو دي سوزا الصحفي البرتغالي الذي صار مؤخرًا رئيسًا للبرتغال.

أعرف أن أي انتخابات ديمقراطية بالبلاد لن تأتي إلا بالتيارات الدينية التي تجيد تأجيج المشاعر الدينية للناخبين، أو تأتي بالأنظمة العسكرية التي تجيد تأجيج المشاعر الوطنية وهذه كبرى جرائم مبارك الذي أفسد التعليم وكانت النتيجة أنه لن يصل للحكم سوى هؤلاء! ولكني أريد أن أسأل من بقي لديه عقل من مؤيدي أي من الفريقين أخبروني عن دولة واحدة انقضت عليها الأنظمة الدينية أو العسكرية إلا وذهبت هذه الدولة إلى المجهول، وأرجوكم لا تخبروني عن تركيا فهذه الدولة في رأيي الشخصي رغم كل شيء تعتبر دولة ناجحة بالفعل، ولكنها حتي هذه اللحظة لا تعتبر دولة دينية؛ إذ لم يتمكن بعد رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية من كامل تركيا حتى الآن، وما أن يتمكن ويبدأ بفرض الدولة الدينية وقتها فقط نستطيع الحكم.

أخيرًا أريد أن أوجه رسالة لأبي فاطمة ويحيى وابن الشيخ الأزهري وأفضل صحفي في العالم لعام 2011 والحاصل على جائزة البوكر وجائزة الجارديان البريطانية، وتاريخ طويل مشرف من التكريم الدولي، أو أبي حمالات كما يحلو لكارهيه والحاقدين عليه تسميته، والذين يعتبرونه منافقـًا لأنه كان يدافع عن الإخوان ويهاجم مبارك أثناء فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك وفعل العكس وهاجم الإخوان ولم يهاجم الرئيس مبارك أثناء فترة الرئيس السابق مرسي! «شكرًا لأنك كنت نورًا عندما كان الجميع لنا ظلامًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد