أتذكر جيدًا تلك اللحظة التي نظر فيها الجنرال الطامح في الحكم مباشرة في عيون الصحفي اللامع وقال له بحزم: “مش هسمحلك تقول حكم عسكر تاني”. ساد الصمت للحظات. فيما يبدو أن الصحفي الذي عاش يُحدثنا عن شجاعة المواجهات وعظمة الموت على العتبات المقدسة للمبادئ يحاول جاهدًا أن يظهر تماسكًا وهميًا أمام الجنرال “الحمش”.

 

مع كل حلقة جديدة أشاهدها لإبراهيم عيسى أستحضر فورًا الحالة المدهشة التي كان عليها الفنان الراحل توفيق الدقن في فيلم “سر طاقية الإخفاء” حين صاح مبتسمًا: أخراااابي. ورغم الاندهاشات والمشاعر المتضاربة التي تنتابني تجاه إبراهيم عيسى كحالة إعلامية وصحفية تثير تساؤلًا وحيدًا “إزاي يا جدع كدة بس”. يبقى السؤال؛ كيف وصل الحال بإبراهيم عيسى لهذه الحالة المزرية من فقر الخيال! كيف فقد الرجل موهبته؟ أستطيع أن أتفهم خيارات الكاتب العظيم في أن يتحول إلى إعلامي “لامؤاخذة “. ولكني أبدا لن أستطيع أن أتقبل هذا الرخص في ترويج أفكار دولة الاستخبارات المحدودة.

إبراهيم عيسى “ليه زبونه”، فالشريحة الاجتماعية والثقافية التي يخاطبها إبراهيم عيسى لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبل تبريرات واهية لسقطات الدولة وجنرالها “الدلوع” كالتي يستخدمها توفيق عكاشة ومصطفى بكري؛ إبراهيم عيسى يحتل هذا الموقع الإعلامي فقط لأنه الوحيد القادر على مخاطبة هذه الشريحة الاجتماعية بما يناسبها عقليا وثقافيًا؛ فمن يعرفون إبراهيم عيسى جيدًا سيدركون أنه رجل يصعب أن تقتفي أثرًا لسقطاته الصحفية؛ فهو موهوب في تطويع المنطق لصالحه، محترف في اقتناص المصطلحات التي تخدم سياق حديثه.

 

إذا ماذا حدث؟ ما الذي يدفع إبراهيم عيسى أن يقول أن إغلاق سفارة بريطانيا في القاهرة كان سببه اكتشاف موظف إخواني يعمل في السفارة؛ فقرر السفير إغلاق السفارة لحين التحقيق في الموضوع! كيف طاوعته مخارج ألفاظه ومضبطة أفكاره بأن يحكي للمشاهد عن أن استمرار قطع الكهرباء دليل قاطع على عظمة السيسي وقدرته على التأثير في الناس؟ هل فقد الصحفي الشاطر موهبته في التبرير ليصل به بؤس الحال أن يستعير مصطلحات خالد الذكر “توفيق عكاشة”؟ هل فقد الإعلامي البارع قدراته اللغوية ليهبط إلى هذا المستوى المتدني من التبريرات الواهية؟ إزاي بس كدة يا جدع؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد