تحفل أحداث التاريخ بالكثير من الغرائب عبر الأزمنة المختلفة، ومنها صعود أشخاص غير مؤهلين لاعتلاء هرم سلطوي عقب اختفاء شخصية كبرى حققت مجدًا كبيرًا سابقًا؛ فتتسابق الأحداث تكريمًا لصاحب المجد الغائب بانهيار واضح في المؤسسة من قرارات خاطئة، ومسارات معوجة، لتذكر الناس دومًا بأصحاب المجد.

ومن هذه الأمثلة القريبة الحية كان رفعت السعيد أمين عام حزب التجمع التقدمي الوحدوي، الذي أنشأه وأسسه خالد محيي الدين، وهو أحد الشخصيات التاريخية، والذي كان له باع كبير سواء بكونه أحد ضباط ثورة يوليو (تموز) 52، ثم معارضًا لعبد الناصر، حينما دعا رفاقه إلى العودة إلى ثكناتهم العسكرية لإفساح مجال لإرساء قواعد حكم ديمقراطي أعقبها استقالته من مجلس قيادة الثورة 1954، ثم عضوًا في مجلس الأمة ومؤسسًا لجريدة المساء، ثم تأسيسه حزب اليسار في مصر التجمع التقدمي، والذي جمع فيه كافة أطياف اليسار المصري، وشهد أزهى فتراته على كافة الأصعدة السياسية والفكرية والوطنية إلى أن تنحى عن مكانه، ليصعد رفعت السعيد إلى قمة هرم الحزب اليساري، ليبدأ مسيرة تخريب ما أنجزه سلفه، وفض الحزب من تجمع أطيافه نتيجة سياسات ذات رؤى شخصية حولت مسار الحزب علي يده، من حزب معارض كبير في مصر أيام الرئيس أنور السادات، إلى حزب صغير ممالئ لنظام حسني مبارك، ومعاد لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما دفع عددًا من المعترضين على الانشقاق وتأسيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي لينهار اليسار المصرى على يديه ويتشرذم ويتقزم؛ إذ كان رفعت السعيد عبئًا كبيرًا على اليسار المصري؛ لإدارته الحزب برؤية شخصية بعيدًا عن أخذ الاستعانة بآراء قيادات وكوادر اليسار المصري الثرية؛ لذا انهار الحزب واليسار المصري كله، وتفرق واشتعلت الخلافات بين أفراده.

على الناحية الأخرى وفي جماعة الإخوان المسلمين حدث هذا الحدث نفسه مرتين؛ الأولى عند تولي حسن الهضيبي مرشدًا للجماعة عقب وفاة البنا، وهو من هو، وقام الهضيبي بإدارة الجماعة إدارة فردية ورؤى غريبة أشعلت الخلافات داخل الجماعة، وفرغتها من أهم رموزها الدعوية مثل الشيخ الغزالي، وسيد سابق، والقرضاوي، والباقوري، علاوة على حل التنظيم الخاص، الذي كان صمام أمان لحماية الجماعة؛ لتدخل بعده جماعة الإخوان في محنتها الأولى وينكل بها ما بين إعدامات وسجن واعتقال وتشريد من نظام عبد الناصر.

المرة الثانية كانت عقب انقلاب الجيش على ثورة يناير (كانون الثاني) وإطاحة حكم الدكتور محمد مرسي، والتي شهدت محنة الإخوان الأكبر في تاريخها، واعتقال غالبية أفراد الجماعة ومكتب الإرشاد والحزب، وإعمال القتل والتشريد والاعتقال والسجن والإعدامات في أفرادها وقاعدتها العريضة من الشباب،

وفي محاولة للم شتات الجماعة والتصدي للانقلاب على المسيرة الديمقراطية، تولى محمود عزت وإبراهيم منير شئون إدارة مكتب الإرشاد بعد اعتقال مرشدها ونوابه.

وعلى مدار ست سنوات منذ انقلاب 3 يوليو، فشلت الجماعة في ظل إدارة منير وعزت فشلًا ذريعًا في التصدي للانقلاب وإدارة مكتب الإرشاد دون أي رؤية أو استراتيجية عمل، وتسببت في إجهاض أحلام أبنائها وقطاع عريض من مؤيديها للانفراد بالقرار عبر رؤية شخصية لا توازن بين التغيرات على أرض الواقع، وتربط فيه مصير الجماعة بأكمله ومصير أبنائها المعتقلين والمحكوم عليهم بأحكام إعدامات، عدا المعتقلين والمختفين والمشردين باستدرار عطف الغرب ومنظمات دولية تأتمر بأوامر الغرب لتنفيذ أجنداته، وهي رؤية توضح القراءة الخاطئة للمشهد الدولي، إذ نفضت الجماعة يدها من أي عمل على الأرض حتى التظاهرات السلمية، والتى كانت أحد مظاهر الاعتراض على الانقلاب أمام العالم، أجهضتها وأوقفتها ما مكن الانقلاب من السيطرة تمامًا على مفاصل الحكم دون أي إزعاج، والسير بوحشية في طريق استئصال جماعة الإخوان ومؤيديها بلا رحمة وأعطى صورة للغرب عن رضا الشعب وتآلفه مع الحكم الانقلابي، فبدأ العالم يتعامل مع النظام بشرعية بعد أن ظل فترات طويلة يخشى التعامل معه لما كان يشهده يوميًّا من اعتراضات شعبية عبر التظاهرات، التي كانت تنقلها الفضائيات التي أجهضها منير وأعوانه.

وعقب كل محنة لجماعة الإخوان من قتل أبنائها أو إعدامهم، والتي تشتعل بسببها النفوس، يخرج إبراهيم منير ليزيد الموقف اشتعالًا بتصريحات غير مسئولة ومحبطة وهادمة للآمال ومستفزة لجموع الإخوان ومؤيديهم؛ ليؤكد فيها على التراخي والتهاون وغياب الرؤية وغياب العمل، بل غياب الفطرة الطبيعية في المقاومة باسم السلمية، والتي في حقيقتها سلبية؛ لأن طرق المقاومة لا توقف فقط عند استخدام السلاح، ولكن هروبًا من غياب الرؤية يحصر الرأى بين حمل السلاح وبين انتظار تفاعيل الأقدار.

وإذا كانت جماعة بتلك الضخامة والحجم الكبير تضم بين حناياها ملايين من الأعضاء وملايين أكثر من المؤيدين، تغيب عنها الفطرة الطبيعية للإنسان والحيوان في مقاومة المخاطر التي تهدد بقاءه؛ فهذا مؤشر على أن هناك خللًا كبيرًا في إدارتها من جانب القيادات المختطفة للجماعة، والتي تنفرد بالرأى في إدارتها في ظل غياب العملية الديمقراطية الداخلية، والتي جمدها منير ورفاقه والذين يطلبون من قواعدهم السمع والطاعة بالصورة الجامدة التي تطبق بها بسطوة الترهيب، بالفصل والعزل من الجماعة، كما حدث في العديد من المرات بتفسير السمع والطاعة، وهو أحد صور السلطة المطلقة المستبدة.

ونتيجة لذلك كان انشقاق بعض القيادات ومعهم قطاع عريض من شباب الجماعة لتكوين فرع آخر للجماعة يقود الأحداث والتغيير، ولكنهم فشلوا في ذلك نتيجة عدم التربية الحرة التي تعتمد الشجاعة في الرأي وتنشيط الفكر المستقل، غير التضييق الخانق من السلطة على التحركات وقيود الأمن.

لذا فهناك خطر أكبر يهدد وجود الجماعة نفسها بالأفول والاختفاء من الساحة بعد 90 عامًا من وجودها كأحد العناصر الرئيسية في مكونات المجتمع المصري، إن ظلت على تلك الحالة من الجمود والموت التي تشهدها منذ عدة سنوات، حتى باتت كالأسد العجوز الذي هرم وتكالبت عليه الثعالب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد