قبل عدة أيام ظهر مقال للدكتور إبراهيم الزعفراني طارت به الركبان وعمت به المجالس وهمس به العامة والخاصة. واشتعل به الأزرق تحت عنوان «هل لو كان خالد سعيد واحدًا من الإخوان هل كان سيصبح وقودًا للثورة؟».

وأجاب عن السؤال بلا. ثم سرد 9 أسباب يؤكد بها وجهة نظره، التي أراها جافت الصواب وها أنا أرد عليها حسب توفيق الله لي.

  1. قال د. إبراهيم الزعفراني: «إن الإخوان عاشوا في دفء جماعتهم منفصلين عن المجتمع».

وهذا غير مسلم به؛ فالجماعة كانت مساجدها مفتوحة للعامة تعلم العلوم الشرعية وتربي النفوس الذكية. وافتتحوا المدارس الناجحة، وأنشؤوا المصانع الرابحة، وتفوقت منشآتهم التجارية على نظيراتها. حتى المستشفيات مارسوا فيها الطب كما لم يفعله مثلهم.

فهل كانت مساجدهم مغلقة في وجه المجتمع؟

وهل مدارسهم لا تقبل إلا أبناءهم؟

وهل كل عمال مصانعهم إخوان؟

وهل رفضوا علاج مواطن من غير الإخوان في عياداتهم ومستشفياتهم؟

وهل كانت بضاعتهم في الأسواق بسعرين سعر للإخواني وسعر لغيره؟

وفي السياسة انتخبهم المجتمع بعد عمليات نصب وتزوير الانتخابات، وصارت كتلتهم أكثر من ثمانين عضوًا في مجلس شعب مبارك. من احتك بهم أحبهم ومن سمع عنهم ود لو يذهب إليهم.

إذن كيف تقول يا دكتور أنهم كانوا منفصلين؟ سامحك الله.

  1. قال الزعفراني: «غبنا عن لغة قومنا وشعبنا وجئناهم بمصطلحات غريبة عليهم…» إلى آخر ما قال.

والله تكاد ضحكاتي تخترق سقف الغرفة التي أقرأ فيها هذا الكلام.

فهذا من أحسن حسنات جماعة الإخوان؛ ففي الوقت الذي انحدر فيه الذوق العام وتلطخت ألسن الناس بمصطلحات الفن الهابط، ويحضرني الآن بعضها مما وعيته قبل استقامتي. فالناس كانت تردد كلمات الزعيم الأباصيري «خلي بالك من العيال يا باتعة»، وكانوا يرددون «سلملي علبدنجان» لنادية الجندي ــ ولا أدري إلى الآن كيف ستسلم الجندي على الباذنجان أو أنه شيء غيره ــ وبعضهم يغني في الأفراح «السح الدح إمبو» لأحمد عدوية.

أفكثيرٌ يا د. إبراهيم أن يرتقي بعض الناس بألفاظهم؟ أم أنك تستكثر على الأفاضل محاولة المحافظة على هوية دينهم ومتانة عروبتهم ونقاء لغتهم؟ هل هذا مثلُ أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون؟

ليتك يا دكتور طالبت الساقطين بالنهوض بدلًا من حث الناجحين على التدني والهبوط.

  1. قال د. الزعفراني: «إقحام معاركنا السياسية في دروسنا وخطبنا المسجدية… فقل رواد معظم مساجدنا وانصرفوا يبحثون عن بغيتهم في مساجد أخرى».

عجبًا لك يا أخي د. الزعفراني، وهل كان سيدي وسيدك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا مازجًا الدين بالسياسة في المسجد؟ وهل ينصلح حال الدين إلا بصلاح علماء الدين والساسة؟

إِن انصراف الناس عن مساجد الإخوان ـ إن أغفلنا الحقائق وتغاضينا وسلمنا بكلامك ــ خلل في الناس وخور في عقائدهم وضعف في فهمهم، وليس عيبًا في دعوة الإخوان.

ألا تذكر يا د. الزعفراني أن نوح عليه السَّلَام دعا قومه ما يقارب 1000 عام فلم يستجب له إلا القليل؟ وأن خاتم المرسلين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحدث الناس عن أحكام الجهاد وأحكام المال وأحكام الطهارة من المسجد؟ ولم يتلفت إليه كثير من الناس لأن قلوبهم مطموسة وأفئدتهم منكوسة وليس لأنه كان يتحدث مع الناس فيما لا يرغبون.

أخشى أن يأتي مغرض سفيه فيقول: أشم في كلام د. الزعفراني رائحة فصل الدين عن السياسة فلا سياسة في الدين ولا دين في السياسة (على قائلها ومصدقها والداعي إليها ما يستحق).

  1. قال د. الزعفراني: «حالة التعالي على الآخرين مستقرة داخلنا وفي أدبياتنا: إحنا الإخوان الله أكبر».

عجبًا لك يا زعفراني، إنها عزة الإيمان عندما تخالط حلاوة الإيمان بشاشة القلوب فتشعر بمعنى وأنتم الأعلون، وتلمس في ذاتك معنى «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين». فرق أخي الحبيب بين التعالي والعزة. المتعالي يرى نفسه فوق الناس في أي موضع فينتقص الناس. أما العزيز بدينه فطبيعي جدًا أن يعتز بما منَّ الله عليه، ويحنو على من سواه. وهذا ما اشتهرت به جماعة الإخوان فكل همها ومن أهم أدبياتها استقطاب الناس إلى الدين القويم بالنصيحة والخلق الحسن والقدوة الحسنة.

نعم وألف نعم «فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين»، فمن يشعر بحلاوة الإيمان تخالط قلبه فلابد أن ينبت له جناحان يرفرف بهما في أعالي السماء. لكن دينه يأمره بالتواصل مع من يمشون على الأرض وهذا بالضبط هو دأب الإخوان.

  1. قال د. إبراهيم الزعفراني «تمايزنا بشعارات في التظاهرات والمؤتمرات والفعاليات المشتركة تفرق بيننا وباقي المشاركين حتى لو كانوا من نفس التوجه».

عجبًا لك يا دكتور أنسيت التمايز بين أصحاب التوجه الواحد من الجيل الرباني تحت قيادة سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم؟

ألا تذكر أن للمهاجرين راية كانت بجوار راية الأنصار؟ ألا تذكر هتاف أين أصحاب الشجرة؟ ألا تذكر نداء أين أصحاب بيعة الرضوان؟ التمايز مطلوب والاختلاف ممدوح طالما لم يؤصل للفرقة بين المسلمين، فإن جاء التمايز بين أصحاب الصراط المستقيم وبين من انحرف من المسلمين وجب أن يكون التمايز أكثر وضوحًا وأكثر جلاءً.

يا دكتور إبراهيم، هم يكرهون التمايز لأنه يعيرهم ويكشف سوءاتهم ويريدون خلط الغث بالثمين حتى يتخبط الناس فلا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر.

  1. قال د. الزعفراني: «إذا مكنتنا قدراتنا الانتخابية على الاستحواذ على كل مقاعد نقابة أو غيرها فعلناها إلا فيما ندر دون مراعاة لوجود شركاء مخالفين بذلك شعارًا لطالما رفعناه مشاركة لا مغالبة».

أهمس في أذنك الواعية يا دكتور أن الغرب الذي وضع قوانين السياسة الحالية هو من سماها فن الممكن، وليس من قوانين السياسة الحديثة أن تكون دائمًا متسقًا مع كل شعاراتك، فالشيء الذي به تكسب استخدمه ولا تلتفت لما يقول الآخرون، فهكذا تقول ديمقراطيتهم.

لكنهم إن خالفت شعاراتك فسيذكرونك بهويتك الإسلامية الشفافة الرقراقة. لكنهم فقط يستدعونها إن خدمتهم وينكرونها متى خالفت هواهم.

إن طالبوك بالتمسك بشعاراتك لأنك مسلم مستقيم، فطالبهم أن تكون قوانين لعبة السياسة إسلامية. فإن رفضوا فاعلم أنما يحتكمون لشياطينهم. وحسب ملعب السياسة الحالي والحَكَم الذي يدير المباراة فإنك لابد أن تلعب بقوانينهم لا قانونك، وعدهم بأنك ستلعب بقانونك متى تغير الملعب والحكم.

  1. قال د. الزعفراني: «تعظيم رموزنا وتميزهم حتى في اللقاءات المشتركة بتحيتهم والهتاف لهم مما يحرج الرموز الأخرى المشاركة».

المعنى واحد في كل ما سبق، وما جاء سابعًا تكرار لنفس المعنى. ومن فهم روح الرد اكتفى بأول رد. ومن باب التكرار نقول للشطار لابد من التمايز فالعشرة المبشرون بالجنة ليسوا كغيرهم من سائر الصحابة الكرام، والخلفاء الأربعة أعلى درجة من باقي العشرة. والأوضح من ذلك أن رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين منهم 5 هم الصفوة وهم أولو العزم من الرسل. ولم يقل عاقل – مثلًا – لا تميزوا المبشرين بالجنة عمن سواهم حتى لا يغضب الآخرون فالصحابة كلهم أولو فضل. كذلك التميز لقادة العمل الإسلامي لابد أن يكون واضحًا جليًا فهم قادة كغيرهم ممن سواهم، لكنهم يختلفون عنهم فيما يحملون من مبادئ وأفكار ترفعهم عمن سواهم، فمن باب الإنصاف ألا نحقر من رفعه الله ولا نساويه مع من أقل منهم «ورفع بعضكم فوق بعض درجات».

  1. قال د. الزعفراني: «وجهنا جهدنا لقضايا تهمنا ولم نلتفت لقضايا الشعب الملحة والعاجلة كغلاء الأسعار والبطالة».

إن قضايا العوام قضايا وقتية فئوية ونفعية. أما القضايا الكبرى فيتولى أمرها الكبار، وإذا تحققت المطالب الكبرى تحققت دون أدنى شك تلك المطالب الفئوية والوقتية.

ألا ترى معي أن من أهم نتائج نجاح محاربة الفساد القضاء على البطالة؟ وقس على هذا المثال. فالكبار يتبنون القضايا الكبرى والصغار ينادون بالقضايا الصغيرة.

  1. قال د. الزعفراني: «كنا نفرق في تناولنا لانتهاكات حقوق الإنسان بين ما إذا كان الضحية من الإخوان أم من غير الإخوان أو حتى من الجنائيين فعزف الآخرون عن الوقوف معنا في محننا».

ربما لو كانت هذه على عواهنها لصدقت. أقصد لو كانت جماعة الإخوان فعلت هذا فقد أخطأت، فالكل أمام ميزان العدالة سواء والكل آدمي مسلم يجب احترامه وعدم المساس بحريته وبدنه ونفسه إلا بما يسمح الشرع الحنيف نفسه. تدور الحقوق معه حيث دارت.

الخلاصة

لابد أن يرى المسلم نفسه في مكانة أعلى مِن مكانة مَن سواه. وكذلك يجب على كل مسلم مستقيم على شرع الله أن يعيش ويحيا في هذه الحياة بمبدأ «وأنتم الأعلون» يستشعرها غذاء لروحه. ولا تجعله هذه المكانة متغطرسًا على الناس بل يحنو عليهم ويأخذ بأيديهم ليتبوؤا تلك المنزلة الرفيعة.

وليعلم أنه مهما حاول الاقتراب ممن هو أدنى منه عن طريق التنازل عن مكانته السامية ضاعت هيبته ولم يرضَ عنه خصومه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد