استنتاج يسهل اختباره، لا بطل واحد في أعمال بروجل، المشهد هو البطل، الجمع هو البطل.

مثلت أعمال بروجل احتفاءً نادرًا بالإنسانية جمعاء، فهي مسرح إنساني حكائي من الدرجة الأولى تتحد فيه مفاتن الطبيعة الفلمنكية بالجمع الإنساني في أبسط حالاته البشرية دون إهمال السياق الحضاري المتمثل في المباني الريفية ذات الطراز الفلمنكي.

الانطباع الأول الذي تخلقه لوحات بروجل هو أنها ذات أسلوب هزلي عن عمد وذي نكهة كاريكاتورية ليست مقصودة لذاتها، بل غرضها هو معالجة الموضوع بالسخرية، أوربما حتى للسخرية من نواقص البشرية بشكل عام. كما نجد خلطًا فريدًا في بعض لوحاته بين ما هو ساخر يبعث على الفكاهة وما هو خانق كالكوابيس. ولكن ربما بالغ النقاد في تقدير الجانب الهزلي لدى بروجل، مهملين بذلك تقييمه تقييمًا دقيقًا كفنان ذي قدرة على تجسيد عمل رمزي متكامل؛ فقدرته على استخدام تقنيات تصويرية جذابة لا تقل أهمية عن تلاعبه بالرموز.

مشاهد بروجل الحكائية مكتظة بشدة يتضمن كل منها أكثر من رسالة، أكثر من أقصوصة، أكثر من درب تلتمسه العين وسط الشخصيات الكثيرة في اللوحة، فالمشهد ككل أكبر من أن يقص لنا رواية واحدة بطريقة واحدة.

وبالإضافة إلى أن الأسلوب الرمزي وتزاحم الحكايات، نلحظ في لوحات بروجل طابعها المسرحي للغاية، فوراء شخوصها المبعثرة هناك رموز وأسرار مخفية بين مشاهد الحياة اليومية تحتاج لتدقيق شديد حتى تلاحظها. فالرمزيات في قطعه الفنية لديها نفس قيمة سائر عناصر العمل الفني، الأمر الذي يحتاج من الناظر إلى بروجل مجهودًا أكبر حتى يستوعبها! فعلى سبيل المثال لا الحصر، اعتاد بروجل إخفاء شخوص تاريخية أو أسطورية مهمة وسط الأشخاص العادية، فلا يكاد الناظر يميز هذا من ذاك.

ركز بروجل في تصويره الفني على الجمال الجوهري في إيقاع العمل اليومي، فكانت غايته تمجيد كل ما هو غير مُلتفت إليه مثل حياة الفلاحين، مخالفًا بذلك زملاءه الفلمنكيين الذين كانوا يركزون على بورتريهات الأمراء والأثاث الفاخر. فنجد أغلب قطعه الفنية تمثل العمل الدؤوب والطقوس المتوارثة والفلكلور الفلمنكي وحفلات الرقص والزواج والزرع والحصاد وكل ما هو متعلق بحياة العامة. البعض يؤكد أنه كان دائم التردد على حفلات الفلاحين متنكرًا بزيهم ليدرس عن كثب حياتهم اليومية وحفلاتهم وطقوسهم ليخرج لنا قطع فنية ذات مصداقية. وبالإضافة إلى تصوير الطبيعة النقية وحياة العامة، اهتم بروجل أيضًا بكل ما هو مخيف وفاسد في الطباع البشرية، ولكن هذا الجانب قليل الظهور في أعماله.

كانت الطبيعة أستاذ بروجل الأول، فلها البصمة الأكبر في أعماله. نجد مفهوم الفرد لدى بروجل مرتبط بخضوعه للطبيعة ودورة الفصول وإرهاق الحقول وحتمية القدر؛ إذ لا يرتقي الانسان عن المادية والخطيئة إلا إذا عاش متصلًا بالطبيعة. البعض يُرجع ولع بروجل بالطبيعة إلى كونه مؤمنًا بوحدة الوجود، بينما أشار البعض الآخر إلى كونه كاثوليكيًا ضالا، وهو ما يفسر الكثير من أعماله وهوسه بالوحدة الروحية مع الطبيعة الفلمنكية بشكل خاص.

على عكس ما كان شائعًا بين فناني عصر بروجل، وربما جميع العصور، أن الجميع يتوجه نحو فلورنسا منارة عصر النهضة، إلا إن بروجل لم تستمله طرازات عصر النهضة الفلورنسي وفضل الاهتمام بالنموذج الفلمنكي البدائي في التجسيد وتمجيد الطبيعة الحية.

وكذلك على خلاف فناني عصر النهضة الفلورنسي الذين مجدوا الانسان كوحدة من الكمال الجسدي وعظمة الصنيع، صوّر بروجل الجانب الحقيقي: أجساد في تكوينها الواقعي تمارس أفعالًا بسيطة بل ودنيئة في بعض الأوقات. فلا يعنيه إن كان الوجه دميمًا أو الثياب رثة ولا يشغله تكوين عضلي وأفعال بطولية خارقة. كل ما يعنيه مشاهد الحياة العادية. فحتى الأسطورة كان يصورها بشكل يخلو من الحس الملحمي.

على الجانب الأسلوبي نجد الأغلبية الساحقة من لوحات بروجل من منظور عين الطائر، رؤية بانورامية واسعة للغاية تحوي تكوينات وشخوصًا ومباني تحكي حكايات مختلفة. وعلى الرغم من هذه الفوضى بين العناصر، إلا إننا نجد تناغمًا بصريًا بين ما هو بشري وما هو غير بشري في العمل الواحد. مشاهده ذات حس حركي ديناميكي للغاية مفعمة بالحيوية. الكل في حالة حركة مستمرة في أعمال بروجل وكأنهم متشاركون في لحظة بصرية واحدة التقطتها إحدى الكاميرات، فهم أشكال صغيرة مرتبة بإتقان على أسطح كبيرة مترامية بشكل أنيق لافت.

لا شيء ملحمي مبالغ في تمجيده في أعمال بروجل، لا التكوين ولا الألوان ولا الموضوع، ولكنه على الجانب الآخر قادر على نقل أصغر التفاصيل بخطوط نظيفة وتوازن جيد.

الألوان أيضًا لها صلة وثيقة بالنزعة الرمزية لدى الفنان، فبالتة بروجل اللونية عادة ما تتدرج بين درجات الألوان الدافئة ودرجات الأرض والطبيعة كالأصفر والبني والأخضر بمزيج محبوب متناغم.

تحليل لوحة سقوط إيكاروس

Artist: Pieter Bruegel the Elder
Dimensions: 73 cm x 1.12 m
Subject: Icarus
Genre: Landscape painting
Medium: Oil paint
Locations: Royal Museums of Fine Arts of Belgium، Museum of Fine Arts

على نهج بروجل.. هنالك ما هو أهم من سرد الأسطورة وقصها بشكل مباشر.. إيكاروس وديدالوس وأجنحة من الفخر وسقوط أليم. مثلما قص بروجل عمله الفني سيُقص التفسير وستتضح بالتالي الأسطورة التي بشكل ما قتلت بحثًا.

كنظرة مبدأية قد لا تلاحظ أبدًا أن العمل الفني يحمل رمزية ما، فما نراه مساحة خضراء وطبيعة وبحر وربيع. أشخاص يعملون بجد في حقل بجانب البحر. دقق مرة أخرى ستجد إيكاروس على اليمين يصارع الأمواج. على المستوى الحكائي إيكاروس هو محور العمل الفني أما كتمثيل بالفرشاة فهو أصغر عنصر يذكر في العمل.

ربما أراد بروجل تمثيل العمل على هذا النحو لعدة أسباب، هل هي أشياء لا تعني المرء الكادح في الحياة اليومية؟ أسطورة منذ مئات السنين لا تؤثر على واقع الآخرين في شيء. قد تحمل في طياتها معاني وقيمًا لا خلاف، لكن الفلاح البسيط أبعد من أن يستوعبها بهذه الصيغة. وربما هي رفاهية ما بجانب محدودية أغلب العامة.

هي قصة طموح النفس البشرية. إيكاروس رمز للبشرية، فالإنسان لا يكاد يرضيه شيء، دائم السخط والسعي الى الكمال حتى وإن دعاه ذلك إلى الجحود على ما يملك وقاده إلى حتفه. في الأسطورة ذابت أجنحة إيكاروس،حينما بلغ من الزهو أشده فنشد أبعد من السماء، نشد حتى تحدى الذات الإلهية. أهي المبالغة في الطموح تكسب الفرد قدرًا من الحماقة فيتجاهل كل ما هو واضح، كل ما بين يديه. رب طموح أهلك صاحبه.

أو لأن الحياة أكبر من أن يوقفها شيء تستمر مهما حدث، أرادنا بروجل أن نرى إيكاروس بهذا الصغر بجانب ما قد تحمله الحياة فيما بعد.

على نحو آخر، في أغلب أعمال بروجل كان يحطم كل ثوابت من قبله. ربما أراد ازدراء الأسطورة بشكل ما، إيكاروس بهذا الصغر بجانب روائع الحياة الفلمنكية بجانب كل ما تستطيع أن تقدمه لنا الطبيعة.

الواقع مركز لوحات بروجل بينما أسطورة إيكاروس أبعد ما يكون عن أرض الواقع؛ ففي رأي بروجل، الحياة الواقعية وحدها وقيم مثل العمل (التي يرمز إليها بالمزارعين في اللوحة) هي كل ما يجب أن يلتفت إليه الجمع الإنساني.

تجاهل إيكاروس كل تحذيرات والده فقط لأنها لم تتفق مع رغباته وزهوه في التحليق عاليًا، المرء حينما يشتهي أمرًا يتجاهل كل ما سواه، لا مبالاة إيكاروس هي التي أودت بحياته. وردًا من القدر على لا مبالاته لم تبال الحياة لسقوطه أو موته، الشمس المذنبة بشكل ما مشرقة أكثر من العادة، الحقول مزدهرة، الصيادون في البحر والفلاحون عند المحراث. ولهذا لم يمنحه بروجل سوى مكانة هامشية في أسفل اللوحة .

لم يهتم أحد لسقوط إيكاروس ربما لأن الأمر أنانية منه، وأنانية الفرد لا تخص الآخرين، لا تعني المصلحة العامة في شيء، فسقوطه هو شأنه وحده حتى وإن كان الإنسان كائن اجتماعي بفطرته، تحركه مشاعر نحو الجمع ولكن برغم كل شيء تنتصر ذاتية الفرد.

مثل بروجل الشمس كمسطح ظاهر بقوة في التكوين. الشمس هي السبب الفزيائي لسقوط إيكاروس وهي العنصر الأبرز في اللوحة. إنها لا تظهر أي مظهر من مظاهر الخجل ولا تشفق على إيكاروس، بل ربما تسخر من طموح إيكاروس وتحديه للطبيعة.

رمزية العمل الفني، أي إيكاروس نفسه، لا تظهر إلا في مساحة لا تمثل أكثر من ضربة فرشاة، حجم إيكاروس غارقًا مقارنة بالعمل الفني لا يكاد يذكر. العمل كله مفتاحه تفصيلة في غاية البساطة وتحتاج أكثر من مجرد تأمل سطحي.

في زهو الربيع والكل يستمتع والأمور تسير على ما يرام، حياة شخص آخر في الجحيم، ربما هذه هي الحياة، أشخاص في رغد وآخرون في القاع. في اللوحة موت وحياة، مظاهر عديدة للحياة وموت وحيد لإيكاروس. هكذا أبرز بروجل هذا التناقض، بل وأكده بأن رسم سفينة بجوار إيكاروس تطفو بسهولة ولا تبالي بغرقه.

أما على الناحية التقنية، مثل بروجل الأشخاص في مقدمة العمل الفني في وضع هرمي. شخوص قريبة منا كالرجل ذو السترة الحمراء وشخوص أبعد فأبعد في تسلسل هرمي لأسباب لها علاقة بالتكوين وجذب النظر. خطوط العمل لينة للغاية تتوافق مع عمل ممثل للإنسان والطبيعة معًا. ألوان هادئة متجاورة غير متعارضة على أي نحو، باردة في أغلبها. جميعها من درجات الطبيعة الحية بلا ألوان دخيلة. درجة تشبع الألوان في أقل درجاتها تقريبًا.

في العمل توجيه خاطئ عند عمد، أرادنا بروجل أن نرى أشياء على حساب أخرى. أعطى للرجل في المقدمة سترة حمراء تسرق أنظارنا، بجانب التكوين الهرمي والمنظور. ربما كان هدف بروجل أن ننظر للحياة لا الموت، للرضا لا الطموح المدمر. المزارع في العمل راضٍ عما يمتلك على عكس إيكاروس الذي قتله طموحه.

مثلت العديد من الأعمال الأدبية، سواء بشكل ظاهر أو مضمر، ما اختبره إيكاروس؛ البعض ركز على الجانب الفلسفي والبعض ركز على الجانب الأخلاقي. فنجد مثلا عملًا مثل «فاوست» ركز على الحكمة وراء الأسطورة، بالإضافة إلى قصيدة وليام كارلوس ويليامز. وبعيدًا عن الأعمال الأدبية، مثلت الأسطورة فنيا في لوحات أخرى ولكن بشكل أكثر درامية وملحمية من عمل بروجل.

الفخر هو نذير السقوط. ديدالوس فقد ابنه عقابًا له على صنع الأجنحة محاكيًا الآلهة، وإيكاروس هوى إلى حتفه بسبب غروره.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد