أن تمتلك الصحة أو المال وأن تستمتع بهم أو أن تكون قادرًا على علاج نفسك أو أفراد أسرتك هي نعمة تستحق الشكر، لكن في نفس الوقت لا يمكنك أن تنسى مساعدة غيرك من غير القادرين.

 

الجملة السابقة على بديهيتها وبساطتها هي ذاتها مغزى حملة انتشرت انتشارًا واسعًا خلال الأشهر الماضية وهي حملة “Ice Bucket challenge” أو حملة “تحدي دلو الثلج” والتي انتشرت بداية من وسط 2014 في جميع أنحاء العالم.

 

كنت أشاهد مقاطع الفيديو الخاصة بتحدي دلو الثلج والتي شارك فيها عشرات من أشهر مشاهير العالم كـ “بيل جيتس”مؤسس مايكروسوفت، “مارك زاكربرج”مؤسس فيسبوك، المخرج”ستيفن سبيلبرج”، المغني الشاب “جاستن بيبر” والمذيعة الشهيرة “أوبرا وينفري” ولاعبي الكرة الأشهر في العالم ميسي وكرستيانو رونالدو والمدير الفني الأشهر والأكثر إثارة للجدل جوزيه مورينيو، وغيرهم.

 

إلى أن انتقلت عدوى تحدي دلو الثلج إلى وطننا العربي فقامت به الراقصة فيفي عبده والمغنية هيفاء وهبي وغيرهم، وكدت أبكي لما تذكرت حملات “الشحاتة” التي أغرقت التليفزيون في موسم الشحاتة السنوي في شهر رمضان الماضي والتي كانت تستدر عطف واهتمام المشاهدين عبر إعلانات كادت أن تعاير المشاهدين على امتلاكهم قدرًا من الصحة والمال، وكأن الغرض من الإعلان الذي صُرف عليه مئات الآلاف وربما الملايين ليس جمع تبرعات لصالح أعمال الخير بل إلقاء اللوم على المشاهدين فقط لكونهم “ليسوا على قائمة المرضى” في مستشفياتهم.

جمع التبرعات هو فن كغيره من الفنون لا نحسنه في بلادنا، هذا على الرغم من وجود كوادر شابة عاملين في مجال الـ “Fund Raising” يملكون من الأفكار المختلفة والمبدعة الكثير لكن الشركات الكبيرة في مجال الدعاية والإعلان نادرًا ما تستعين بهم.

 

تحدي دلو الثلج على الرغم من تلقيه عددًا من الانتقادات الخاصة بإهدار المياه أو كونه سطحيًا، إلا أن بساطته هي ذاتها السبب في انتشاره هذا الانتشار غير المسبوق في عدد من دول العالم.

 

ببساطة هؤلاء أقوام يصنعون الحياة حتى من قلب المرض، تحدي بسيط يحمل بداخله المغامرة والضحكة والتبرعات أيضًا.

 

و في مقارنة بسيطة بين أي من الفيديوهات التي تم تصويرها بكاميرات بسيطة ولم تكلف أصحابها أكثر من تشغيل الكاميرات وتجهيز دلو من الماء والثلج وبين أي من إعلانات الجمعيات الخيرية المصرية ذات التكلفة الباهظة والتي أغرقت شاشات التليفزيون المصرية على مدار شهر كامل ستشعر بالفرق الشنيع في تلقيك لكل منهما ربما نستطيع تلخيصها في 6 نقاط:

 

1. تحدي دلو الثلج أثار بين المتلقين والمشاهدين البهجة والضحك بينما نشرت إعلاناتنا الاكتئاب والتشاؤم في قلوب المتابعين.

 

2. لم تضطر حملة دلو الثلج إلى استعراض المرضى للتأثير على المتبرعين أو استعطافهم بينما السمة الرئيسية في إعلاناتنا هي استعراض عدد من المرضى بداية من الأطفال وصولًا للعجائز في مشاهد مهينة لأصحابها.

3. حملة دلو الثلج أثارت فضولك لمعرفة ماهية هذا التحدي وما هو المرض الذي يتبرع له الناس عن طريق اللعب بينما لم تقدم أي من حملاتنا الخاصة بالجمعيات الخيرية أو المؤسسات العلاجية المعلنة أي معلومات عن الأمراض التي تجمع لها التبرعات.

 

4. الحملة انتشرت انتشارًا واسعًا جدًا في أوساط الشباب لانتشارها الواسع على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وهي اللغة التي يفهمها ويجيد التعامل معها الشباب بينما فشلت أغلب المؤسسات الخيرية في مصر في التواصل مع هذه الوسائل للتواصل مع الشباب وكان تركيزها الرئيسي على التليفزيون.

 

5. استطاعت حملة دلو الثلج جمع 53 مليون دولار عبر مليون ومائة ألف متبرع من مختلف دول العالم وبدون أي تكلفة تذكر، بينما تكلفت الحملات التقليدية عندنا ربما عشرات الملايين (أغلبها تكاليف بث إعلانات تلفزيونية) بأسلوب لا يتناسب مع غرض تلك الحملات لتسفر في النهاية عن حجم تبرع لا يُتوقع له أن يكون كبيرًا مقارنةً بحملة مثل “تحدي دلو الثلج” ولو من حيث النسبة لا من حيث الرقم.

6. نسبة مشاركة المشاهير في هذا التحدي حول العالم لا تقارن بمشاركة المشاهير المصريين في إعلانات الجمعيات الخيرية، وحتى في مشاركة مشاهير مصر في الحملات الخيرية تكون مشاركة باهتة مملة وسمجة، أغلبها عبارة عن أن يخرج الممثل أو المطرب علينا من الشاشة ليطالبنا بالتبرع وسرد مدى أهمية الفكرة، وأقصى ما يمكن فعله من تجديد هو أن يقوم بأداء أغنية للتبرع للحملة!

 

في النهاية نحن شعب يعرف جيدًا ما يعانيه من أمراض ومشاكل اقتصادية ويعيشها كل يوم بل كل ساعة ولا ينقصنا أن نفتح التليفزيون كي “يركبونا الهم والغم” أكثر. لا أطالب بمنع إعلانات جمع التبرعات لكن على الأقل تغيير طريقة التواصل والعرض.

 

حملات كهذه يمكنها أن تنتشر لدينا انتشارًا واسعًا في مجتمع يمثل الشباب أكثره ويتعامل أغلبهم مع الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي.

 

نمتلك الأدوات اللازمة من أفكار وعقول مبدعة ولا ينقصنا إلا التخلص من احتكار شركات الدعاية والإعلان الكبرى لشاشات التليفزيون .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد