كل فترة قصيرة ينشغل العالم بـ “تقليعة” جديدة سرعان ما تنتشر بين الناس، وتبدأ مواقع التواصل الاجتماعي في تناقلها، حتى يبدو وكأن العالم كله لا انشغال له إلا بها، وعادة ما يتعلق ذلك بأمر فكاهي طريف، ينتزع بضع ضحكات من الصدور التي تهفو إلى لحظة سعادة.

 

وفي هذه الأثناء يهتم العالم كله بتحدي دلو الثلج، الذي دعا إليه كوري جريفين الشاب الأمريكي الذي اكتشف إصابة صديق له بمرض (ALS)، وهو أحد الأمراض العصبية الحركية؛ فقرر أن يجمع المال اللازم للعلاج عن طريق أن يتحدى الأصدقاء بعضهم بسكب دلو من الماء المثلج على أنفسهم، وعلى من يخفق أن يدفع مالاً يخصص لعلاج المرضى بهذا المرض.

وقد اختار كوري هذا التحدي لأن سكب الماء المثلّج على الجسم يشبه في أثره أثر مرض صديقه، وكأنها دعوة للشعور بآلام أصحاب هذا المرض للتعاطف معهم، والتحفيز على التبرع من أجلهم.

 

وانتشر الأمر ولم يعد مقصورًا على أصدقاء جريفين، بل وصل إلى أن أصبح تحدّيًا عالميًّا اشترك فيه بعض من مشاهير العالم، وتخطّى الأمر من جمع المال اللازم لعلاج صديق، إلى جمع ملايين الدولارات التي خُصّصَت لعلاج هذا المرض.

حقيقة، أنا لا أدري ماذا كان رد فعل بقية العالم نحو هذا التحدي، هل هناك من رفضوه أو سخروا منه؟ هل هناك من فعلوه من باب اللهو والشهرة فقط؟ ولكني تابعت ردود الفعل على هذا التحدي في منطقتنا العربية، حيث انحسرت ردود الفعل في:

 

– البعض تفاعل مع التحدي سواء بالتبرع، أو بالتعاطف مع المرض، أو لمجرد التسلية واللهو، أو بسبب التأثر بالدعاية العالمية له (وكأنه موضة).

 

– البعض سخر من التحدي، سواء هؤلاء الذين سخروا من تفاهة الأمر، أو سخروا من لهاثنا الدائم خلف كل “تقليعة” غربية، وتقليدنا الدائم لهم بدون حفاظ على الهوية والشخصية المستقلة، أو سخروا ممن أدّى هذا التحدي دون أن يعلم فكرته لمجرد مشاركة العالم فيه.

 

– البعض شعر بالحزن على العرب الذين اهتموا بتحدي دلو الثلج لمجرد انتشاره، ولم يهتمّوا بقضاياهم المصيرية، أو ضحايا الأمراض الأخرى، واعتبروا ذلك دليلاً على تخلف العرب.

 

– البعض قارن بين لترات الماء المنهمرة على أجساد الغربيين في حين تعاني بعض المناطق الأفريقية من الجفاف، أو عدم وجود ماء صالح للشرب، واعتبروا ذلك دليلاً آخر يضاف إلى قائمة الأدلة على ظلم الغرب باهتمامهم بهذا التحدي، وعدم اهتمامهم بالضحايا الذين هم سبب في معاناتهم.

لن أناقش ردود الفعل المختلفة تلك، ولكني سأسأل؟

– لماذا دائمًا نغرق في الجدل الذي لا ينتهي إلى أي نتيجة إيجابية؟ ولماذا لا ننجح عادة في تسويق هذا الجدال، وإبراز رد فعلنا؟

 

– لماذا نتعامل دائمًا مع قضايانا تعاملاً يخلو من الإبداع؟ فعادة ما تعلن الجمعيات الخيرية عن حاجتها للتبرعات بطرق ممجوجة، وأحيانًا بطرق مهينة لأصحاب الحاجة، دون مراعاة لمشاعرهم (كإعلانات رمضان التي كانت تبشر المرضى بالموت واليأس).

 

– لماذا لا نتحمل خلافاتنا؟ فالكثير من المختلفين حول هذا التحدي تفرغوا لسبّ بعضهم البعض. ولماذا نجد أننا دائمًا ناقدون لغيرنا لا أنفسنا؟ فدائمًا ما نضع الآخرين تحت مجهرنا لنراقب خطواتهم، ونلمح كل دقيقة من دقائقهم حتى نفرغ إلى نقدهم. هل هذا سببه الفراغ، أم الحاجة لإثبات تفاهة الآخرين لتعويض ثقتنا المهتزة في أنفسنا؟

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا)، “والمراء هو الجدل”. وأيضًا قيل أن عمر بن الخطاب قال: (إذا أراد الله بقوم شرًّا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل).

 

إنّ تحدي دلو الثلج يشير وبوضوح إلى تحدٍّ آخر لابد لنا أن نخوضه، وهو ضرورة ترك الجدل الذي لا طائل من ورائه، وضرورة احترام الاختلاف وقبول التعايش معه، والكفّ عن مراقبة الآخرين، والانشغال بالنفس أولاً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد