لم أفكر كثيرًا قبل الكتابة؛ لأن ما أفكر به هو الواقع بجميع أوضاعه وطقوسه لا يحتمل الكذب أو التلفيق، أرى فيه السعادة لكنني لم أوفق إلى الآن في الوصول إليها، هذا ما أود إخبارك به، ربما يكون لكلماتي أثر بسيط في وعيك إن قرأت، وربما يصادف ما تفكر فيه فتبتسم، وقد تبصق على ما أفكر به وتمضي في سبيلك.

يا بني أريد إخبارك بشيء مهم قبل أن تخطو بروحك الأرض، ويقتات على فطرتك الكاذبون والمنافقون، قبل أن تقفز بأفكارك في بيئة باهتة رمادية اللون، تضج بكل ما هو فارغ.

– لا تجعل نفسك ظلًّا للآخرين؛ لأن الظل يختفي باختفاء الأصل، فحاذر أن تكون سريع الاختفاء. كن ثابتًا، ولا تدع نفسك للريح فتسقط، ولا تكن جامدًا جدًا فتكسر.

– حتى تنضج لا بد أن يكون لديك ما تقرأه؛ ليجعل بعضًا منك ثابتًا لا يتزحزح، والذي لا بد من أن تستزيد منه بالتدريج، أما بعضك الآخر تصنعه أنت وتصقله الأيام. وحتى تكبر ويشتد عودك، كن رفيقـًا بنفسك.

– إياك أن تكون ذيلًا لأحد، ولا تتبع درب القطيع؛ لأن الكثرة لا تدل على الصواب دومًا.

– تعلم كيف تقول «لا» ستحتاج لها كثيرًا إن فعلت ما قلته لك في الأعلى، لكن حذار أن يصيبك الندم إن كنت على صواب الأمر لا باطله.

– لا تفعل شيئًا أنت مجبر على فعله دون أن تكون على قناعة تامة به، لا تهتم بما يقوله الآخرين، تكفيك نفسك ورضاها عما تفعل.

– كن بشوشًا ضاحكـًا وابتسم للجميع؛ لأن مما ستتعلمه لاحقًا أن تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأنك «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك».

– لا تصغ السمع لمعظم ما يقال من حولك؛ فأنت في زمن كثر فيه القيل والقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال.

– أغلق أذنيك تمامًا عند أصحاب الخطب الرنانة والكلمات المنمقة، واقترب ممن يعمل بعيدًا عن الضوء بصمت دون ضجة، لا تتبع الضوء فشدته تفقدك البصر يا عزيزي.

احترت فيما أكتبه لك، أرجو أن يكون ما كتبته لك قادرًا على منعك من السقوط، أو على الأقل انتشالك، لكن إن لم ترغب أنت في النهوض لن أستطيع تحريكك قيد أنملة. ربما لن تتمكن من العيش طويلًا، قد تختنق، ربما تصير كهلًا قبل أن تبلغ عقدك الثالث.

هل تود أن أخبرك عن مكان ما يدعى بالوطن، سيمر وقت طويل جدًا حتى تعرف أن الوطن خدعة، أن الوطن أكذوبة؛ فالأرض واحدة هم من جعلوا لكل واحد منا وطنًا، من أجل ذلك صرت مؤمنًا بأن الوطن في السماء والأرض منفى. سيقال لك في المستقبل البعيد إن أكذوبة الوطن تداعت، إنها ضاقت جدًا حتى فقدت رمزيتها ككذبة، وتماهت مع الواقع.

يا بني دعك ممن ينادون بحب الوطن، ويصرخون بذلك حتى تجف عروقهم، وتجحظ عيونهم، وبالمقابل تنتفخ جيوبهم، يومًا ما سيصيبهم الظمأ، ولن يرويهم إلا من تعود السماع؛ لذا كن حذرًا من هؤلاء للمرة الثانية.

وأخيرًا: لا تصل بأحلامك إلى السماء، ولا تهوي بها إلى الأعماق، حلّق ولكن تذكر كيف ومتى ستعود، انطلق لكن اعرف متى تتوقف، لا تفقد نفسك في خضم هذه الجلبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد