يظن البعض أن النصح لا يصح إلا ممن يتمتعون بقدر عالٍ من المثالية في كل شيء، متناسين أننا جميعًا مقصرين، نحتاج للعون على متابعة السير. بل ربما يقول أحدنا لنفسه أو يظن أنه وبسبب فعله لبعض الذنوب أو الأخطاء غير المتعمدة أو المتعمدة أحيانًا، فلا يمكن له أن ينصح أحدهم بتجنب الوقوع في الخطأ نفسه. لكن في الحقيقة أن الانتماء لميدان النبلاء لا يكون بادعاء الوصول للمثالية. بل إن النبل الخالص هو الانتصار للمظلوم مهما كان، هو التفرقة بين الحلال والحرام، مهما كانت مراعاة الضمير أمرًا مجهدًا، ومهما نالت مننا الأخطاء أو فزنا بتحصيل قدر من الصواب.

لكن في كثير من الأحيان يرى الناس الظلم بينًا من سرقة، أو تحرش، أو تعذيب، أو استغلال، أو احتكار، أو غيرها من أي أشكال الظلم الأخرى، إلا أنه وقبل أن يبادر مدافعًا أو مناصرًا للمظلوم، ترى الشيطان يحضره، وذلك الجزء الخاص بالنفس الأمارة بالسوء يستفيق داخله محاولًا الفوز بالعراك. فيقول في نفسه: ألا تتذكر أنك أيضًا سرقت طعامًا في صغرك، ألا تتذكر أنك تنظر إلى النساء أيضًا ولك شهوة فتاكة؟ لا تدعي المثالية وابق فمك مغلقًا.

يرى أحدهم يستحل حرمة من حرمات الله، فيهم أن يصده. فيقول له شيطانه: ها أنت من جديد. تحاول الانتصار لشيء تفعل عكسه. ألا تعتقد أن تلك الفرقة من الناس تستحق ما يحدث لها؟ ثم من أنت لتتحدث عن هذا؟ أنسيت كم ذنوب الخلاء؟ وتقصيرك في الصلاة، والأفكار الشيطانية التي تستحضرك من وقت لآخر؟ أنت أسوأ بكثير فلا تتكلم.

هو يريد بكل ما في كيانه أن يقول كلمة حق دفاعًا عن المتحرش بهم/ بهن، لكن شيطانه يسبقه قائلاً: ألا تتذكر الفتاة التي كنت تنظر إليها في القطار أو في السوق أو غيرها من الأماكن. تجاوز فترة النفاق هذه يا مجنون ولا تتفوه بكلمة. في صورة لجلد الذات تجعله يتخلى عن أي محاولة للوقوف أو التصدي لمثل تلك الأخطاء. فيظل حبيس أفكاره ولا يخرج أيًّا منها فيحزن ويشعر بأنه لا شأن ولا ثقل له. وهذه مأساة حقيقة لكل من أحس بها.
ومن اللافت للنظر أنه وبعد أن يفعل هذا في نفسه، يبدأ في تطبيقه على الجميع بطبيعة الحال، فينظر لإمام المسجد أو الداعية على أنه من هذا الرجل لكي يعلمنا ديننا؟ يبدو أنه ليس إلا شخصًا مزهوًّا بنفسه. ألم تكن له غلطات وذنوب وغيرها من السقطات مثلنا أيضًا؟ نعم له بكل تأكيد. إذًا فمن هو لكي يحق له أن ينصحنا في هذا أو ذاك!

متناسيًا بكل ما للكلمة من معنى أن ذلك الداعية أو الإمام أو المتحدث بأي صفة كانت، ما زال بشرًا يخطئ ويصيب إلا أن الفرق الرئيسي ونقطة الفصل هو أنه ما زال يحاول أن ينفع الناس. أو أن يقدم شيئًا تعريفًا بالله أو تنويهًا على إصلاح الخطأ، طبقًا للمبدأ الإسلامي القائل: للمصيب أجران وللمخطئ أجر. فكل المحاولات مثاب عليها، لكن مثل هذا الإنسان وإن كان لا يقبل ولا يقوى أن يقف دفاعًا عن الحق بنفسه. فأنى له أن ينصر غيره أو أن يفرح به وباستماع الناس وإنصاتهم إليه.

لكن الأمر لا يدوم طويلاً مع من يفهمون أو يحاولون فهم العلاقة النفسية والروحية لأنفسهم، ومن يعرفون جيدًا أن فعل الحرام لا يغير مسماه أو يحد من الدفاع عن انتهاكه.
علينا أن  نحذر من خدعة الشيطان الجهنمية تلك. فإنه يفعل كل ما بوسعه ليخلط علينا الأوراق حتى لا يمكننا أن تفرق بين الطيب والخبيث. يوهمنا إن فعلنا للذنوب يمنعنا كليًّا من فعل الخيرات. وإن كوننا منبوذين مبتلين في حيز ما يعني أننا سنظل هكذا للأبد في كل حيز آخر. وهذه هي الكارثة الكبرى التي إن صدقناها وأكملنا أيامنا على أساسها فسنهلك أنفسنا. ولو تفشت وأصبح هذا فعلنا كلنا فسيعم البلاء ويهلك هذا المجتمع، لأنه لن يحق لأحد النصح أو المناداة بالحق أو الطيب كون أننا كلنا مذنبون دون استثناء.

صدِّق دائمًا أن إنصاف المظلوم لا يشترط أبدًا المثالية أو التفرد بالنبل. بل يكفي الإنسان منا الرضا عن النفس والطيبة والضمير الحي. وأن فعل الخير لا يشترط أبدًا أن يكون الفاعل ملاكًا طاهرًا، إنما يكفيه أن يكون مجرد إنسان يأمل أن يتطهَّر.

وبم أن عجلة الظلم دوّارة، فإن انتصرت للحرام أو الشر الآن بأي صورة، فلا تتأوه عندما تصاب أنت في مكان آخر وتبحث عن المناصرة فلا تجدها من الآخرين. لأنك نصرت حرامًا فيما سبق. وكل ساق يسقى بما سقى. والخوف إن تعمم هذا الأمر فسنطال جميعًا دون سبب ولن ندافع بعضنا عن بعض. لأننا ببساطة لم يكن لنا موقف عدل وكلمة إنصاف في حق المظلوم يوم أن رأيناه، وعندما يحين دورنا فسيكون عدل الله وقتها ألا يسخِّر لنا أي إنسان طيب صاحب ضمير حي (رغم ما فيه من سوء وعدم مثالية). فهل هذا حقًّا ما نريد؟

على الجانب الآخر تظهر طائفة من الناس المُتناقضين مع أنفسهم، الذين يمنعوك بدورهم أن تتكلم في أي شيء، فيحرمون عليك النصح أو حتى محاولة التفكير. يجلسون للناس على صفحاتهم الشخصية بالقلم الأحمر، أي شيء يكتبونه يتم تحديده بذلك اللون في صورة الخطأ الذي لا يملك حتى حق تصحيحه. يطلبون من الناس التعبير عن آرائهم لكن فيما يتماشى معهم ومع ما يفعلون، حتى لا تتسخ صورتهم أمام المجتمع وأمام أنفسهم قبل ذلك.

ونصبح جميعًا بين فكي التمساح. فلا نعرف إن كان المفروض أن نعبر عن آرائنا من مُنطلق الحُرية، أم أنه إن تكلمنا ورفضنا الخطأ فسيعتبرونه سفاهة وتجاوزًا؟

أم أن تلك الحرية المزعومة حكر على بعض المواضيع اللي ترضيهم فقط؟ لا أحد يعلم.

– فمن يقدم النصيحة ينظرون إليه أولًا. من أنت؟ ومن أين أتيت؟ ماذا تعمل؟ وهل أنت أهل للنصح أو لا؟ ثم إنه كم عمرك لتتحدث حتى؟ أما إن كنت أحد الممثلين الذين يغيرون الشخصيات كالجوارب بكل أريحية، فسيتداولون مقولاتك ويجعلونك شخصية القرن وعين أعيان العزبة التي يعيشون فيها بلا منازع. ربما لأنهم لا يعرفون أن تقديم النصائح من العمل الطيب، حتى وإن لم يكن الناصح من القائمين بالعمل الصالح نفسه، لأنه يمكن لله أن يهدي بالنصيحة بعض الناس ثم يُهدىٰ الناصح بدعوة واحد ممن عَملوا بالنصيحة فيتحقق الإثنان كما قال الشيخ الشعراوي رحمه الله.

والحقيقة أن المشكلة الأكبر في مواقع التواصل هي أن معظم الناس لا يعبرون عن آرائهم الشخصية بقدر ما بينقلون كلام الآخرين دون تدقيق أو توثيق، وهذه جريمة كبرى. لأن تلخص نصيحة في كلمة من القلب أفضل ملايين المرات من منشورات بطول وعرض الأفدنة لا يعرف عنها صاحبها شيئًا، ولا تعبر عن مكنون صدره. إلا أنه يرغب في تلقي بعض الإعجاب على المنشور هو الآخر، ليتباهى أمام الناس أنه يفهم، ولا يعلم أنه بفعله ذاك يضيع حقوق ملكية الكلام! والتي هي في الحقيقة تسمى سِرقة. فلا يغرنك كم الإعجاب.

– مثل هؤلاء الناس لا يريدون لك أن تصبح حُرًّا بقدر ما يريدونك تافهًا لا وزن له ولا قيمة. فأنت في مأمن ما دمت لا تقدم إلا السفه أو المضحك من الأشياء، أما أن تخوض في عظائم الأمور وتراعي الحقوق، وتحاول أن تنصر المظلوم، فلن يسمحوا لك. وهذا هو العته الفكري بعينه لأنه يسمى «غسيل عقول» طويل الأجل. لكن وجودهم ما زال إثباتًا للكل على نعمة الاختيار وتشجيعًا للناصحين والمصلحين بالقيام بدورهم بصورة أكبر، وحتى لا يغتر أي منا بعبادته أو فعله للصواب. كما أنه دليل على تفريطهم في ثوابت الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

فحق فيهم قول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لما قال لجلسائه: أتعلمون من أحمق الناس؟

قالوا: رجل باع آخرته بدنياه.
فقال لهم عمر: ألا أخبركم بأحمق منه؟
قالوا: بلى!
فقال: رجل باع آخرته بدنيا غيره.

– الفِكر لم يكن أبدًا حِكرًا على بعض العقول دون غيرها. لأن قول الله تعالى «أفلا يتفكرون» قد نزل للكل. وليس المفروض أن نُكمم أفواه الناس لكي نرتقي. فالنصح فرض من الناس على بعضهم كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم. ما دام في العموم دون تدخل فيما لم نطلب له.

ولا يمكن أن ننسى قول النبي، صلَّى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه»، وقوله صلَّى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدُكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

وقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

وأخيرًا قوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مُسلم.

فلا تسمح لأحد بهدم مرجعيتك الفكرية وتحريف الثوابت الدينية، وإلا فإننا سنصبح كمن يلدون المسوخ ويربونهم، وهذه قمة اللاحُرية.

يجب أن نعبر عن آرائنا وننصر بعضنا بعضًا بكل طريقة ممكنة، نرفض الحرام والخطأ والعيب أيما سنحت لنا الفرصة، لنفعل ذلك حتى وإن كنا نقع في الحرام أو نفعل الخطأ أحيانًا، يجب أن ننادي بالحق دون الخوض في الأعراض فإما أن تهدأ بذلك سرائرنا أو أن تصبح الكلمة الطيبة شفيعة لنا عند الله. لكن علينا أن نتذكر أن نعطي القدر نفسه من المساحة لتقبل الطرف الآخر والاستماع لرأيه وإلا سنصبح من المتسلطين الذين لا يقبلون النقد، وهذا لا يصح.

ورحم الله ابن سينا لما قال: بُلينا بأقوام يَظنون أن الله لم يهدِ سِواهم! وهم قوم لا نريد أن ننتمي لركبهم.

فلندافِع عن الصواب قدر ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا ولا نتهرب، فالكُل مُثاب.

دمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد