يعتبر العلاج السلوكي المعرفي ‏Cognitive Behavioral Treatment‏ من أشهر نظريات الإرشاد والعلاج النفسي المعاصرة، ويقوم على افتراض وجود صلة بين المعرفة والسلوك. مع ذلك يختلف العلماء الذين يتفقون في هذه النظرة في تحديد اتجاه علاقة التأثير والتأثر، ما بين من يرى أن تفكيرنا يتحكم في سلوكنا، ومن يرى العكس بأن سلوكنا على نحو معين هو ما يُنتج تفكيرنا.

إعادة البناء المعرفي أم تكوين المهارات المعرفية؟

أولى المدرستين الهامتين في العلاج المعرفي السلوكي هي مدرسة «إعادة البناء المعرفي»، والتي ترى أن مساعدة الأفراد على التخلص من سلوكياتهم المُشكِلة تكون بالسعي إلى تغيير بنيتهم المعرفية واعتقاداتهم. إنها تقوم على مساعدة الشخص على إدراك وتفسير طريقة ‏تفكيره السلبية؛ كي يستطيع مواجهة تلك الأفكار والمكونات المعرفية والمعتقدات الخاطئة لديه، ‏التي قادته/ أو يمكن أن تقوده لأعمال وتصرفات خاطئة، بهدف تغييرها إلى أفكار ومعتقدات ‏وقناعات أكثر إيجابية وعقلانية وواقعية، فالأفكار والمفاهيم الخاطئة هي إشارات ذاتية داخل ‏الفرد، يُعتبر تحديدها أولى الخطوات اللازمة للعمل على تصحيحها وتعديلها.

تفترض تلك المدرسة أنه طالما أن تفكيرنا يتحكم في سلوكنا، فإنه إذا غيّرنا ‏من ‏تفكيرنا فإن ‏سلوكنا سوف يتغير. وتركز مدرسة إعادة البناء المعرفي على ‏تغيير عمليات التفكير التي تظهر وجود علاقة بينها وبين السلوكيات المشكلة، وذلك بتعليم الأفراد ‏التفكير المنطقي، وتعديل التفكير ‏الاندفاعي ‏بتعليمهم أن يتوقفوا ‏قبل القيام بالسلوك و‏يفكروا في عواقب سلوكهم وتأثيره على أنفسهم وعلى الآخرين.

بينما المدرسة الأخرى المقابلة في العلاج المعرفي السلوكي ‏هي مدرسة «المهارات المعرفية»، التي تقوم على الافتراض المعاكس بأن سلوكنا يتحكم في تفكيرنا، وأن وجود قصور لدى الشخص في قدرته على التجاوب مع المواقف الضاغطة والسلوك على نحو مناسب هو ما يتسبب ‏في حدوث المشاكل. يقوم العلاج من خلال تعليم الأفراد المهارات الاجتماعية، التي تمكنهم من التعامل ‏بنجاح مع ‏المواقف الضاغطة. أي ‏أنهم سيظهرون سلوكيات مقبولة والتي ‏بدورها تؤدي إلى تكون أفكار ‏مقبولة.‏ ترتبط تلك المدرسة بالتعلم الاجتماعي لألبرت باندورا، وتركز على استخدام فنيات لعب الأدوار والنمذجة والتدريب على مهارات حل المشكلات كأساليب للعلاج.

من خلال خبراتي المتواضعة في المجال، ورغم أن التدريب على حل المشكلات ولعب الأدوار والنمذجة هي فنيات يمكن بالفعل أن تساعد في تغيير ‏السلوكيات المضادة ‏للمجتمع والمرتبطة بالمواقف المشكلة، وتُحسِّن من تفاعل الفرد الاجتماعي، فأنا مع أنصار الاتجاه الأول، حيث أرى أن ما نعتنقه من أفكار هو الذي يؤثر في الطريقة التي نسلك بها في حياتنا، وأن السلوكيات لا تتغير فتتغير الأفكار، بل العكس، فأفكارنا هي التي تتغير أولًا، سواء كان ذلك تحت تأثير ضغوط اجتماعية أو زيادة خبرات، لا فرق. بل إني أرى أن محاولة تغيير السلوكيات أولًا ربما تخلق شكلًا من أشكال النفاق الاجتماعي لدى الأفراد طالما بقيت أفكارهم دون تغيير.

أخطاء التفكير

لكن هل توجد ميكانيزمات تقف وراء تشكل كثير من الأفكار والاعتقادات الخاطئة بالأساس في البنية المعرفية للأفراد، ومن ثم ظهور السلوكيات المشكلة؟

هذا سؤال هام ولا شك، وينبغي التنبه إليه لأنه أُس البلاء. وهناك دراسات نفسية موسعة حاولت الإجابة عليه؛ حيث لُوحظ أن هناك نمطًا ما من التفكير يمكن أن يُسمى نمط التفكير الإجرامي، تظهر فيه بوضوح ما يُعرف بأخطاء التفكير؛ أي الطريقة التي يُفكر بها الإنسان وتتسبب في تكون اعتقادات وأفكار خاطئة، وتدفعه إلى تنفيذ جرائمه. وقد تزايد اهتمام الباحثين بتلك الأخطاء مع تنامي ظاهرة الإرهاب عالميًا.

في هذا المقال لن أُجري بحثًا علميًا موسعًا عن المشكلة، ولا أستهدف الجرائم أو الإرهاب خاصة كمشكلات كبرى تنشأ من خلال معتقدات وأفكار خاطئة، فما ينتج عن تلك الأخطاء في تفكير الأفراد أعمّ بكثير من أن يُحصر في مشكلات بعينها.

هدفي أن ألفت فقط إلى وجود تلك العمليات في تفكيرنا، مع ضرب أمثلة توضيحية، ولعل من أهم تلك الميكانيزمات العقلية التي تتسبب في تكوين أفكار واعتقادات خاطئة تتسبب غالبًا في سلوكيات مشكلة، قد يتأذى الفرد وحده بسببها، وقد ينتشر أذاها نحو المجتمع؛ التعميم الزائد وإلقاء اللوم على الآخرين‏ وتشويه الحقائق.

في مقال سابق تناولت إشكالية التعميم والتمييز، وذكرت أن أغلب مشاكل عدد متعاظم من البشر تنشأ من عدم قدرتهم على التمييز، وبالتالي إصدار سلوك واحد نحو عدد متباين من المواقف لأنهم يفترضون تشابهها!

أما إلقاء اللوم على الآخرين فلعله أكثر خطأ في التفكير يستخدمه الفاشلون لتبرير فشلهم، وإظهار براءتهم من سوء أحوالهم.

فماذا عن تشويه الحقائق؟

تغير النظرة إلى أشكال العلاقات الجنسية نتيجة مباشرة لتشويه الحقائق

يعتبر انتشار الانحلال الجنسي كسلوك على مستوى العالم، ودفع البشر إلى تقبله باسم الثقافة، نتيجة مباشرة لتشويه مجموعة من الأفكار الخاصة عن أمانة الجسد للرجل والمرأة، خاصة المرأة، فلم يعد يُنظر لدى قطاع عريض من البشر بأن الإنسان ليس حرًا في التصرف في جسده، وأصبح لا معنى لديهم للعفة ولا للشرف. تلك الأفكار المادية غير الأخلاقية في حد ذاتها ناتجة عن الثقافة الغربية المعاصرة التي جعلت من القيم الأخلاقية – فضلًا عن الدينية – مناقضة للحداثة والتطور.

لطالما تم النظر إلى علاقة الرجل الجنسية بالمرأة على أنها علاقة أخذ من الرجل وعطاء من المرأة، وربما لأجل هذا كان اللوم الأكبر يقع دائمًا على المرأة عند الانخراط في علاقات مُحرَّمة؛ كونها الطرف المُفرِّط، ولكن لدى المنادين بالحرية في العلاقات الجنسية فلا أخذ ولا عطاء، وليس للأمر علاقة بالشرف من الأساس؛ فشرف الإنسان لا علاقة له بجسده. وخطأ التفكير الذي يقوم عليه هذا السلوك هو تشويه الحقائق خاصة أمام المرأة؛ فالأمر أشبه بشخص معه خاتم ثمين من الماس قام أحد المحتالين بإقناعه أنه لا يساوي شيئًا فنتج عنه أن فرّط فيه بسهولة. والحقيقة أن المُفرِّط ملام على تفريطه، وهذا لا يعني ألّا يُلام المحتال.

كما لم يقتصر التحول الفكري الحادث على العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة؛ فلأن التركيز صار على كون العلاقة الجنسية هي علاقة متبادلة يعطي كل طرف فيها نفسه للآخر، فمما ترتب على تلك الفكرة الجديدة أن أي شخص بالغ عاقل يمكنه أن يقرر إقامة علاقة مع شخص آخر بكامل إرادته، أيًا كان هذا الشخص، سواء كان من نفس جنسه، أو حتى من محارمه! وهو تبرير جيد للشذوذ الجنسي وزنا المحارم، أقل ما يُقال عنه إنه مُقرف لمن يمتلك فطرة سليمة.

حتى أصبح بعض الداعين لنشر ثقافة الانحلال في مجتمعنا يروجون أن المهر الذي يعطيه الرجل للمرأة قبل الزواج، وعرفته أغلب المجتمعات قديمًا بوصفه تعبيرًا من الرجل عن محبته للمرأة ورغبته فيها، ليس أكثر من أن المرأة تبيع نفسها، وللأسف فإن كثيرًا من الرجال – ربما تحت تأثير الضغوط الاقتصادية – قد حدث له تحول فكري فاعتنق هذه الفكرة العجيبة، ووصل الأمر أن فتيات ممن لا يرين العلاقات غير الشرعية انحلالًا يتبنين نفس الفكرة! وأنا قطعًا لا أتحدث هنا عن المغالاة في المهور، بل عن مفهوم المهر ذاته ودلالته.

بل وصلت محاولة تشويه الحقائق وتغيير الأفكار إلى مفهوم الزواج نفسه الذي كان مقدسًا إلى يوم قريب، فالزواج بلا حب هو اغتصاب لا حق للرجل فيه وفقًا لهؤلاء، ويتم تبرير الخيانة للمرأة بناءً عليه، والترويج لها، فالاحترام من وجهة نظرهم مرادف لما نراه نحن انحلالًا. في مسلسليْ «جراند أوتيل» و«لا تطفئ الشمس» على سبيل المثال يظهر نموذج الزوجة الخائنة حاضرًا، مع إيجاد مبررات درامية لها ونعومة رومانسية تمتزج بتلك الخيانة لجعل المشاهد يتقبلها، لتتسلل تلك السلوكيات المقرفة إليه تدريجيًا، ويتقبل الأفكار التي تعكسها.

سلوكات غريبة تنتشر قد لا ندرك الأفكار التي تستند إليها!

ليست أخطاء التفكير وحسب هي ما يمكن أن تغير البنية المعرفية لأفراد المجتمع، بل يمكن نشر فكرة في المجتمع، والترويج لها، على أن يكون المعروض سطحيًا كقمة جبل الجليد، بينما جذور الفكرة الحقيقية تبقى في العمق، ولا يكون سهلًا على المواطن العادي في أحايين كثيرة إدراكها.

من أمثلة ذلك محاولة إغراق المجتمع المصري مؤخرًا في الفكر الشيوعي شيئًا فشيئًا، وفكرة مثل «من كلٍ حسب ما يملك، ولكلٍ حسب احتياجه» التي توجب التفاوت بين أفراد المجتمع في تقدير الخدمات، عواقبها معروفة يشهد عليها التاريخ، وقد جربناها في مصر وجربنا التأميم ونزع الملكيات الخاصة للأغنياء، لتنشأ طبقة أكثر ثراء وأشد وضاعة، وليزداد المواطن العادي فقرًا.

يجب أن نعي جميعًا أن وجود شرائح لحساب الكهرباء، وتفاوت تقدير الضرائب وفقًا للدخل، وغيرها، هي أفكار شيوعية، فكل سلعة ينبغي أن يكون لها ثمن موحد يُعامل على أساسه الجميع. وسواء كنت من المستفيدين الآن من تطبيق تلك الأفكار على أرض الواقع أو من المتضررين فيجب أن تُنكرها؛ لأن انتشار الفكر الشيوعي خطأ في حد ذاته، وإن لم تظهر عواقبه السيئة الآن فستظهر لاحقًا على المجتمع ككل.

وإغلاق المحال وقت الصلاة هو سلوك ينطلق من فكر سطحي يتمسح بالسلف، والسلف منه براء، وما أُمر الرجال بأن يذروا البيع إلا وقت صلاة الجمعة، ووقت الصلاة متسع. ولكن الجذر الحقيقي للفكرة عند من دعوا إليها في مجتمعنا لا علاقة له بأداء الصلاة في وقتها، ولكنه مجاهرة بالانتماء العقدي، وتشبه بالحال في الدولة التي يعلنون انتماءهم إليها فكريًا.

إن بث فكرة جديدة في المجتمع يعني تقبل سلوكات جديدة ترتبط بها، وانتشار السلوكات دليل على تخلل الأفكار التي تنبني عليها في العقول وتقبلها، حتى وإن كنا لا ندرك ونعي العمق الحقيقي لتلك الأفكار. والحل يكمن لأجل تغيير تلك السلوكات في تفنيد الأفكار التي تقف خلفها وبيان عوارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد