ثلاثة أرباع الأفكار التي تأتي في رأسي وتكون صالحة للكتابة لا أسارع إلى تدوينها وكتابتها، بل أهرب منها في أحيان كثيرة، وقد لا أكتبها مطلقًا، ربما أكتفي بالصراخ والشتائم فهذا أكثر إراحة للنفس بالطبع، وأكثر اتساقًا من الكلمات والجمل التي تبدو في ظاهرها رنانة وهي في حقيقتها لا شيء.

 

تساءلت كثيرًا عن الجدوى من وراء ما أفعله وما لا أفعله ويجلب السخط، هل هو نوع من أنواع اليأس؟ ماذا أنتظر جراء سخافاتي؟ أي مقابل؟ ثناء؟

 

يعاودني الأرق وتطاردني الأفكار كما يطارد الكاتب الدكتور علاء الأسواني من أبطال رواياته، لكني لم أصحو بعد على صوت طرقاتها على باب غرفتي، نحمد الله فحالتي لم تتأخر بعد.

 

أتذكر قريبي المتفوق طالب الطب القادم حديثًا من الريف بهرته أضواء مدينتنا فصار رفيقي اليومي في سهرات المقاهي البريئة، وعندما رسب في عامه الجامعي الأول قابلني ليخبرني بأنه عازم على الرحيل للقاهرة والعمل ككناس للشوارع. يا الله كم كانت هذه المقابلة مضحكة وعبثية كلما عدت إلى تذكرها.

لو كان في مقدوري الرحيل لرحلت أنا أيضًا عن مدينتنا، ربما أنا أصرخ كثيرًا ليقيني بأن بقائي في تلك المدينة صار أمرًا محتومًا كتب على الجبين.

 

يصيبني الرعب من هذا اليقين، ويرتفع صوتي ربما يسمعني أحدهم وسط الزحام والاختناق وأنا أحذره من لص خلفه يتحين الفرصة المناسبة لسرقته.

 

أصرخ وأسب وأختلق الحكايات بحثًا عن مكان لائق وسط المدينة، لكن أبطال الحكايات دائمًا غاضبون ومتذمرون مثلي، يضيقون بحكاياتي عنهم، يرونها مملة وذات خيال ضحل، مع أنني لم أدعِ في يوم من الأيام بأني حكاء أو راوٍ جيد، فأنا ما زلت أتهته في النطق وأنسى ما كنت بدأته، ولا تسعفني الذاكرة، لكن هل هم أيضًا أبطال جيدون؟

التجربة دور من أدوار البطولة تمنحها لك الحياة، وبانتهائها تصبح شخصًا عاديًّا يحمل لقب بطل سابق، وتصبح ذكرياتك ليست ملكًا لك وحدك، يقاسمك فيها آخرون متسلطون يريدونك أن تنسى تفاصيلك الصغيرة التي تخصك أنت وحدك، ولأنهم قليلو الفهم ومحدودو الأفق والخيال يتصورون بأنهم محور الكون، لا يستوعبون أن الحياة لا تدور في فلك أحد منا، لا يدركون بأن وجودهم مجرد لحظات عابرة في خيالك وأوهامك قد تصلح لنسج قصص الحب الرديئة والمبالغ فيها، وكتابة المقالات اليومية.

 

فهناك من يحبون سماع حكاياتك على أية حال دون أن تكون مضطرًا للصراخ فيهم، ودون أن يعلو صوتك. من الممكن أن نلوم ضيقي الأفق ونشرح لهم ما وراء أفكارنا أو نتجاهلهم ولا نتوقف أمامهم، فبطبيعة الحال ليس كل البشر يمتلكون خيال شعراء يبحثون عن أفكار تصلح لكتابة قصائدهم الركيكة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد