عادةً ما أكون انتقائية جدًا في الأفلام التي سأشاهدها، بالطبع أحيانًا أميل لمشاهدة أفلام مختلفة من توصيات الأصدقاء، لكن يظل مزاجي هو صاحب القرار بلا منازع، لكل فترة مزاج، ولكل مزاج نمط أفلام معين، مثل أنّ الأفلام التي تلائم مزاجي هذه الفترة يتحتم عليها أن تملك حبكة بسيطة، لا أتحمل الحبكات الجادة والمبالغ فيها وأشعر أنها تحصرني في الأفكار والدروس التي أستنبطها من الفيلم وتقودني مرغمة على الخروج بالحكمة التي أرادها المخرج وكاتب السيناريو، إذ إنّ الفيلم كلما كان بسيطًا كانت المساحة التي يمكنني فيها بناء واستنتاج أفكار خاصة بي أوسع.

كما أنني هذه الفترة لا أتحمّل أفلام الأكشن والإثارة أبدًا، لا أحب أن يتم استغلالي بواسطة المؤثرات البصرية والسمعية، أريد أن أفكر بصمت في تفاصيل الفيلم.

وبالطبع لا أريد قضاء الوقت في مشاهدة تلك الرومانسية المثالية التي تحوي صراعًا ملائكيًا وحبًا لا نهائيًا أحب تلك التي تظل تخبرنا أننا بشر ونظل نحمل التناقضات داخلنا.

أيضًا لا مكان لدي الآن للدراما العظيمة ولا الكلاسيكية، لست بحاجة لمشاهدة حربٍ ضروس حتى أتأثر، أستطيع التأثر بأبسط الأشياء، وأستطيع استنباط الأفكار حتى من أبسط الأشياء، مثل ذلك المشهد من فيلم «Remember me» حين تحاول أخت تايلر محو فكرة زميلاتها في الصف عن كونها غريبة الأطوار فتحمل هدية لزيارة إحداهن في عيد ميلادها وينتهي اليوم بشكلٍ مأساوي، إذ يقمن بإيذائها بقص شعرها، مشهد بسيط كهذا جعلني أشعر بمشاعر مختلفة، استطعت استشعار كل الحنق والألم الممكنين لموقف كهذا، وفي الحقيقة مشهد كهذا جعلني أيضًا أفكر في أفكار مختلفة، منها أنها حين عادت للمنزل أتى للاطمئنان عليها كلٌ من أخيها وصديقه وحبيبته، وأمها وزوج أمها وأبيها، كيف أن هذه الدائرة الصغيرة جدًا من الأقارب تهتم بأدق تفاصيلها، كيف أنها تجعل لأي شعورٍ في الحياة كل هذه الأهمية لمجرد أنها شعرت به، جعلني هذا أفكّر حقيقة في جدوى الترابط الأسري الذي نفخر به أشد الفخر، ذلك الترابط الأسري أو القبيلي الذي يجعل قدرًا كبيرًا من الناس يأتي لزيارتك حين تقوم بعملية جراحية كتأدية للواجب، ولكن هل يهتم أحدٌ منهم حقًا بك لدرجة تجعله يأتي للاطمئنان عليك بسبب صدمة عاطفية صغيرة مثل أن يقص زملاؤك شعرك لإهانتك؟

لا أدري، لكن كل إنسان على وجه الأرض يستحق أن يحظى بشخص واحد على الأقل يجعله يشعر أن مشاعره قيّمة بهذا القدر، وهذا قد لا يحصل، أي ألا تبالي بتفاصيل الذين تهتم لأمرهم حقًا حين تهتم ظاهريًا بكل أولئك الأشخاص الذين يفرضهم عليك الواقع.

مهما حاولنا أحيانًا يظل من الصعب الاهتمام بهذا القدر بمشاعر شخص لا نشعر بقلوبنا تحترق حين يُصاب بالأذى، إننا لا نملك أمر قلوبنا، والاهتمام لا يمكن تطويعه في الغالب، إذا لم نكن نفعل بشغف من الداخل فلن نفعل إلا قدر ما يقتضيه الواجب، ونحن في الحقيقة نستحق أن نشعر أننا نعطي كل ما في جعبتنا، وأولئك الذين نحبهم بصدق يستحقون كل العناية والحُب.

لذلك أقول؛ فلتضيقوا دوائركم ولتهتموا فقط بأولئك الذين لا تحتاجون لاستخدام تنبيه يذكركم بأعياد ميلادهم، ولا تحتاجون لتهنئتهم بمناسباتهم السعيدة لأنكم ستكونون جزءًا منها، بغض النظر عن قرابتهم البيولوجية أو موقع منزلهم منكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد