سيفيق السوريون ذات يوم ويبدؤون صباح نهاية الصراع المجنون الذي يشهدون أحداثه المأساوية، الصراع الذي أكل وما زال الأخضر واليابس وتسبب بمآسٍ وخسائر لم يشهد لها تاريخ سوريا الحديث من نظير، لكن البكاء على الأطلال وملاحقة الماضِي لن يعيدا بناء الإنسان، رغم الجرائم الحاصلة والاستهانة بدم الإنسان في سبيل السلطة والمكاسب السياسية، وبغض النظر عن كل الأطراف المشتركة في هذه السريالية الدموية وما لها وما عليها، تحاول هذه المقالة تسليط الضوء على مكون مهم من مكونات مرحلة ما بعد العاصفة، ألا وهو مسألة الهوية، وما دام أغلب السوريين بمختلف مللهم ونحلهم يكادون يتفقون على ضرورة الاتفاق على مرحلة ما بعد الصراع ووضع خارطة طريق إعادة إعمار ما خربه الدمار، وترميم البنى الاقتصادية والاجتماعية والقيمية وغيرها من مكونات الدولة والمجتمع، فعليهم أن يجيبوا على سؤال مهم وجوهري وهو: من نحن؟ ومن ثم الانتقال إلى السؤال التالي وهو ما الذي سنفعله.

تعد أزمة الهوية بعدًا محوريًا من أبعاد التخلف في الدول النامية، حسبما يرى ذلك المختصون في مجال التنمية وذلك بالإضافة إلى أزمات (الشرعية، الاندماج، المشاركة، والتغلغل)[1]، ولا يقتضي حل أزمة الهوية الانصهار التام في بوتقة الهوية الوطنية الجامعة المانعة بشكل ساذج، خاصة وأن الحالة السورية لا تتحمل فرض نموذج معين للهوية، سواء أكان نموذج القائد الأوحد، أو النماذج الأخرى الإسلاموية، العلمانية، أو نموذج دولة الأقليات والتخندق على أسس دستورية، إذ يفرض الحال وجود مرونة أكبر من فرض النماذج بشكل قسري، والبدء باتفاق شامل حول عقد اجتماعي جديد تبنى على أساسه الدولة، يجمع المصالح المجتمعية ويوحد الدولة كما وأنها شركة عملاقة والمواطنين هم الشركاء أصحاب رؤوس الأموال والمنتجون والموظفون والمستهلكون في ذات الوقت، وأن ربح أول خسارة هذه الشركة مردوده على الجميع، ويظهر من خلال تبينه الحالة السورية حتى الآن أن هذا النموذج هو الذي يمكن على أساسه البدء بقوة في وضع الأهداف العامة والخطط التي تستلهم القيم والتاريخ والإرث الحضاري الهائل لبلاد الشام، وكذلك استنفار عناصر قوة الدولة بمختلف أنماطها البشرية والاقتصادية والعلمية وغيرها، ويمكن أن يواكب ذلك السير في مرحلة العدالة الانتقالية ووضع أوزار الحرب.

تبدو مسألة تحديد الهوية في سوريا أمرًا شديد الأهمية والتعقيد للنخب والجماهير على حد سواء، وتتطلب شعورًا عاليًا بالمسؤولية في بلد يضم العديد من الانتماءات، منها ما هو  قومي، ديني، عرقي، طائفي، وحتى عشائري، وتختلف فيه أنماط الحياة بين الريفية، الجبلية، المدنية، البدوية، وغيرها، ويمكن تشبيه ما يُعانيه المجتمع كحال كوكب ممتلئ بالبراكين اصطدم بنيزك عملاق حطم أجزاءه إلى أشلاء وها هي تدخل في نطاقات جذب كواكب وأجرام أخرى مختلفة الحجم والموقع وقوة الجذب، فهل ستتمكن أشلاء هذا الكوكب من تكوين نواة جديدة تجتمع عليها باقي الأجزاء، أم أنه سيختار التشظي تاركًا وراءه ذكرى كوكب، هذا الأمر في علم الخالق وقدرته أولًا وآخرًا ومن ثم رهين إرادة السوريين بكل المسميات والمستويات.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ناظم عبد الواحد الجاسور، موسوعة علم السياسة، مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، ٢٠٠٩، ص١٣٧.
عرض التعليقات
تحميل المزيد