يعد الصراع هو الطابع الغالب على كثير من العلاقات، ففي المستوى الدولي والعالمي يبرز في شكل صراعات دولية أو خلافات حضارية بين وحدات سياسية، أما في المستوى الفردي أو داخل الدولة، يظهر في شكل صدام بين مجموعات بشرية مختلفة عرقيا أو إثنيًّا أو ثقافيًّا، لا يمكن حصر هذه الظاهرة في تاريخ محدد فلطالما كان الاختلاف مصدر صدام، ولطالما كانت جلية الأنا والآخر أساس خلافات بين الأعراق المختلفة ضمن إطار موحد أو منفصل .

ولكن ماهي حقيقة الصراع الهوياتي، هل هو فعلًا صراع فكري أم هو فقط خلاف ناتج عن أزمات اقتصادية متراكمة؟

هذا المفهوم الذي يحمل في طياته كثير من الدلالات، يصعب إيجاد تعريف شامل له ومتفق عليه، فإن للهوية دلالة لغوية وفلسفية ونفسية واجتماعية وثقافية؛ إنذ إن أصلها اللاتيني Placeholder Samenes أي الشيء نفسه، وتستخدم هذه الكلمة لتعني Identity أي مطابقة الشيء لنفسه، وهناك ثلاث أنواع من الهويات وهي: الوطنية أو القومية، الجماعية والفردية.
إذا انطلقنا من منظور الهوية الجماعية، فهي تلك الخصائص الذاتية التي تميز شخصًا أو مجموعة من الأشخاص من غيرهم، وتظهر هوية الجماعة في السلوكيات التي تمارسها والتي تكون في الأغلب مختلفة عن سلوكيات مجموعة أخرى.

تعمل الدولة ككيان موحد على جمع مختلف المجموعات تحت مظلة واحدة، فعلى الرغم من اختلافهم الثقافي أو العرقي، سيجمعهم الإحساس المشترك بالانتماء إلى الأرض نفسها بالإضافة إلى تاريخ مشترك، ولكن في بعض الحالات تقع الدولة في معظلة كبيرة للتوفيق بين هذه الجماعات.

البعد الثقافي والاجتماعي في الصراع الهوياتي :

في الحقيقة لا يختار الأفراد المجموعة الثقافية التي ينتمون إليها، فهم يولدون فيها – ومعها يولدون في مجموعة معقدة من العلاقات التاريخية والمؤسسية مع المجموعات الثقافية الأخرى، لهذا لا يمكن التحكم في هذا الانتماء ولا عزل الأفراد عن مجموعته بطريقة قسرية، فهذا الإحساس بالاختلاف الذي يصاحبه إحساس بالظلم ينتج عنه عنف كبير ، سيترجم فيما بعد في شكل رغبة في السيطرة و التسلط على أفراد المجموعات الأخرى، أو عنف لفظي وجسدي في التعاملات مع الأطراف تعبيرًا عن الغضب وإثبات للوجود .

يعطي هيجل الاعتراف دورًا أساسيًا بوصفه شيئًا ضروريًّا لوجود الوعي الذاتي؛ فالحصول على اعتراف الآخرين ضروري لتحقيق فهم ذاتي إيجابي لنفسك كشخص كامل، وهكذا، فإن الاعتراف ليس مهمًا فقط لتطوير الوعي الذاتي، ولكنه مهم أيضًا من الناحية السياسية؛ فالفكرة هي أننا إذا كنا بحاجة إلى اعتراف لتحقيق حياة صالحة للعيش، فإن عدم الاعتراف الاجتماعي يدفعنا إلى النضال من أجل ذلك، وعدم الاحترام وعدم التقدير يمكن أن يسبب بالفعل الضرر، وبالتالي ينظر إلى تجنبها كقوة وراء الحركات الاجتماعية.

إذ يؤدي التجاهل المتعمد لهذه الفئة لمجرد كونها مختلفة إلى مشكلات نفسية واجتماعية للتطور في شكل غضب ينعكس على الحياة السياسية، لهذا يعد الاعتراف بتميز الطرف الآخر واختلافه ضرورة للتعايش السلمي وللإبقاء على وضع مستقر.

لهذا يجب ألا ننظر إلى الهوية نظرة قدسية تنتج الاستعلاء ورفض الآخر، ولا النظر إليها باحتقار يولد الدونية ويكرس للعنف.

البعد الاقتصادي في الصراع الهوياتي :

إذا نظرنا للصراع الثقافي على أنه جميع أشكال العنف التي يمارسها الفرد تجاه أفراد من مجموعات مختلفة أو يتعرض لها بسبب اختلافه الثقافي والهويات

فهناك عدد من العوامل التي يمكن أن تسبب الصراع، والدراسات التجريبية تجد أن الأداء الاقتصادي الضعيف يرتبط بارتفاع حالات الصراع؛ فالدولة الفقيرة ترتبط بأغلب أشكال العنف حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2008، كما ترتبط معدلات النمو ارتباطًا قويًّا بمخاطر الصراع في البلدان النامية.
إن معدل النمو في بلدان الصراع في السنوات الخمس السابقة للصراع، بما في ذلك حالات تكرار الصراع، كان 0.5% في المتوسط مقارنة بنسبة 2% في البلدان التي ظلت سلمية.

لهذا يمكننا القول إن الأزمات الاقتصادية في كثير من الحالات تؤدي إلى خلاف بين المجموعات المتباينة داخل الدولة نفسها، سواءً بسبب انخفاض مؤشر التنمية أو التوزيع غير العادل للثروات، بالإضافة إلى التعبئة الشعبية من طرف فئات تهدف في الأساس لخلق الأهداف لأسباب اقتصادية أو سياسية .

وتؤدي لاعقلانية الأفراد إلى تبني أفكار عدائية بسبب أزمات اقتصادية عليا متكررة خلقت لديهم نوعًا من السخط، في ظل غياب حل جامع فيكون الاتهام بين أطراف المجتمع هو مساحة التعبير عن الرأي.

وليس فقط متغيرات الأداء الاقتصادي (مستوى الدخل أو معدل النمو)، بل إن المكونات الأخرى للتنمية البشرية، مثل التحصيل التعليمي، قد تؤثر أيضًا على خطر الصراع، وتوحي الحقائق المدروسة بأن نتائج التعليم ترتبط ارتباطا وثيقًا باندلاع الصراع.

لا يمكن حصر الصراع الهوياتي في جانب ثقافي واقتصادي فقط؛ بل ممكن أن يمتد إلى أبعاد أخرى سياسية وحتى فلسفية، ولكن الأزمة الحقيقية تكون في الدخول إلى حلقة مفرغة من انخفاض التنمية البشرية والصراع، ومستويات التنمية البشرية المنخفضة تؤدي إلى زيادة مخاطر اندلاع الصراعات وتكرارها، والصراع بدوره يدمر رأس المال المادي والاجتماعي والبشري المتراكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد