صراع الهوية بين الإسلاميين والعلمانيين في الدول العربية ليس وليد اليوم، بل سبقتنا إليه دول المشرق العربي التي عانت لعقود طويلة من الديكتاتوريات الحزبية والعسكرية، وفي ظل تنامي الصوت الواحد واللون الواحد والاتجاه الواحد في المسار السياسي، وضرب كل ما من شأنه أن يعزز من مسار الديمقراطية، ليقتصر الأمر، ليس على ضرب الإسلاميين وحدهم، الذين استطاعوا بناء قاعدة شعبية صلبة داخل المجتمعات العربية، مصر نموذجًا، ولكن من أجل إعادة بناء سلطوية جديدة بشكل مؤسساتي عبر توظيف الآليات القانونية، وإقصاء جميع القوى السياسية الأخرى التي لا تربطها مع هذه النظم قواسم مشتركة.

ولكن في المغرب، مع بدء ظهور الحركة الإسلامية وتبلورها في مجتمع طالما عرف استقطابًا هوياتيًا وسياسيًا من نوع آخر، بين النظام السياسي المغربي صاحب التوجه الليبرالي، وبين المعارضة السياسية «حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» الذي كان يرى في نفسه الطليعة الثورية لمكافحة مظاهر الديكتاتورية والبورجوازية في المغرب، سنشهد ميلاد حزب سياسي خرج من رحم وزارة الداخلية المغربية سنة 1997، التي كان يرأسها إدريس البصري: الرجل القوي في تلك الحقبة، هذا الحزب الذي قدمت أغلب قياداته من حزب الشبيبة الإسلامية، ثم الجماعة الإسلامية، ثم الإصلاح والتجديد، ليندرج آنذاك في حزب الحركة الشعبية الدستورية، للدكتور عبد الكريم الخطيب، المعروف بقربه من القصر، ثم سمي آنذاك بحزب العدالة والتنمية.

وكان هذا التحول الذي نهجته السلطة من أجل إنشاء حزب سياسي بمرجعية إسلامية؛ جاء نتيجة المتغيرات الدولية والعالمية، بعد ظهور القطبية الأحادية الليبرالية، بدأت البلاد تعرف انفراجًا سياسيًا منذ سنة 1991، وتراجعًا شكليًا على مستوى انتهاكات حقوق الإنسان، وأيضا جاء لنوايا أخرى للسلطة من أجل خلق نوع من التوازنات السياسية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الاتحاد الاشتراكي من جهة، ثم بين حزب العدالة والتنمية، وجماعة العدل والإحسان من جهة أخرى، التي اكتسحت الشارع المغربي بشدة في الثمانينات.

تفجيرات 16 مايو 2003

صراع الهوية في المغرب بين القوى السياسية الإسلامية والعلمانية التي قبلت بالاشتغال في إطار المؤسسات واللعبة الديمقراطية بشكل عام، بدأت جذوره التاريخية ونواته الأولى منذ شهر مايو 2003، حيث هزت مدينة الدار البيضاء يوم 16 مايو تفجيرًا مدويًا أسفر عن مقتل 45 شهيد، ورغم أن حزب العدالة والتنمية، لم يكن آنذاك يشكل رقمًا صعبًا في المعادلة الحزبية، وكان يعاني من عزلة سياسية باعتباره الحزب الإسلامي الوحيد الذي قبل بالاشتغال تحت المظلة الديمقراطية، فقد رأى فيها الحزب أنها مؤامرة مدبرة تستهدف ضرب قاعدته الشعبية، وأنها استغلت للضغط عليه؛ مع اقتراب موعد الاستحقاقات الجماعية؛ من أجل تقليص حجم مشاركته، وعرقلة سير العملية الانتخابية في هذه الاستحقاقات المقبلة، بل ضرب الحركة الإسلامية بشكل عام، والتي بدأت تكتسح الساحة السياسية والمجتمعية «جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح» من خلال تصاعد حملات بعض المنابر الإعلامية للهجوم على الحزب، بتحميله المسئولية المعنوية، وقد كان لصحيفة الاتحاد الاشتراكي، و«ليبراسيون» اللسان الفرنسي الناطق باسم حزب الاتحاد الاشتراكي دورًا في تصعيد الحملات الإعلامية ضد حزب العدالة والتنمية، وبعض الهيئات الحقوقية المحسوبة على الصف الحداثي، وبدا أن الخلاف سيتوسع إلى انقسام مجتمعي بين القوى السياسية والهيئات الحقوقية من جهة، وبين الحركة الإسلامية بجميع مكوناتها السياسية والدعوية, ويبدو أن هذه الأحداث قد أثرت بشكل سلبي على المسار الديمقراطي، الذي بدأ المغرب يعرفه منذ تجربة التناوب التوافقي سنة 1998، وقد نتج عنها عدة سيناريوهات لو طبقت بحذافيرها في المغرب، لكانت كارثية على المغرب!

مورست عدة ضغوط على حزب العدالة والتنمية من قبل السلطات العمومية، لعب فيها «فؤاد عالي الهمة» الوزير المنتدب في وزارة الداخلية دورًا خطيرًا، فقد نقل عنه أنه قال: «إنهم يدفعوننا لعودة ممارسات أوفقير». وكان يسعى إلى نقل أجواء الخمسينات والستينات في صراع النظم الحاكمة آنذاك مع الحركة الإسلامية، كمصر مثلًا، أي اتخاذ قرار حل الحزب تحت ذريعة أنه حزب سياسي بجناح دعوي، واعتقال قياداته وتجفيف منابعه، ومورست عدة ضغوطات من أجل إقالة «الريسوني» المرشد العام لحركة التوحيد والإصلاح في يونيو 2003؛ لأنه أدلى بتصريح لمجلة ناطقة باللغة الفرنسية، «انتقد فيها إمارة المؤمنين».

ويبدو أن هناك جهات في السلطات العليا كانت تريد أن تجعل من نفسها خلية تدبير الأزمة، وهذه المجموعة كان يقودها «فؤاد عالي الهمة» الوزير المنتدب في وزارة الداخلية آنذاك، والجنرال «عبد الحميد العنيكري» الذي تم تعيينه بعد الأحداث مديرًا عامًا للأمن الوطني، بعد نقله من جهاز «الديستي»، لكن نظرًا للخلافات الحادة بين أركان القصر، ومن يتحكمون في خيوط ودواليب المشهد السياسي، حيل بين اتخاذ هذا القرار «حسني بنسليمان» القائد العام للدرك الملكي رفض اتخاذ القرار؛ نظرًا لعلاقة القرابة التي تربطه بالدكتور «عبد الكريم الخطيب».

إثارة نوع من الاصطفاف السياسي والمجتمعي والإعلامي، من خلال تصاعد الخطاب الإعلامي لبعض المنابر بتحميل المسئولية لحزب «العدالة والتنمية» والحركة الإسلامية بشكل عام، والمطالبة بحلها، ورغم الفوارق الفكرية المنهجية واختلاف الخط العملي وتباين الرؤى بين التيار السلفي الجهادي، الذي يؤمن بالعنف كأداة للتغيير، والحركات الإسلامية التي تؤمن بالعمل السياسي والنضال التشريعي البرلماني، فلم يشفع لها ذلك وظلت تصنف من قبل التيارات «الحداثية» على أنها تشكل صفًا واحدًا، كحزب الاتحادالاشتراكي، «كان محمد اليازغي آنذاك من أبرز المطالبين بحل الحزب»، وحزب «التقدم والاشتراكية»، ولوحظ انحياز السلطات العمومية كطرف موال للقوى الحداثية. ناهيك عن الضغوطات التي مورست على حزب العدالة والتنمية؛ من أجل تقليص مشاركته في الاستحقاقات الجماعية سنة 2003، ولاسيما في المدن الكبرى.

وضع الشارع المغربي أمام فرض الأمر الواقع الذي لا بديل عنه، وهو خيار المشروع الحداثي، والتراجع عن بعض المكتسبات الديمقراطية، وخرق حقوق الإنسان من خلال بعض الاختطافات والاعتقالات التي طالت ما يقرب من 2000 شخص، وهو ما عبر عنه «محمد الصبار» رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان آنذاك، بمعنى أن المشروع الحداثي لا يمكن تطبيقه في المغرب، إلا عبر التراجع عن بعض المكاسب الديمقراطية، وتشريع قوانين جديدة تقيد من الحريات العامة، كقانون مكافحة الإرهاب الذي عارضته قوى وطنية مختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد