إنَّ من أعظم الكوارث المُريعة التي تواجه شريحة كبيرة من شبابنا ومثقَّفينا أمتنا(المسلمة) هي اضمحلال الهُوية وتمييع الشخصية واختلالها وولع عقلنا الجمعي بالأقوى لُمجردِ أنه أقوى الآن في المدى المنظور.

هذه عقدة النقص والتشبث بأذيال الأقوى والأغنى ولو أتت قوة وغنى هذا القويّ على أسس وعقائد فاسدة وظلم وإبادة للشعوب الأخرى التي غالباً ما يكون “المُقَلِّدُ” واحداً منها ومن أعجب العجب أن تجد أحدَ الباحثين يُسوِّغ تقليد الغرب في علمانيته وحربه على دينه “النصراني ” بأنّ نُقلِّده في ذلك في ديننا الإسلامي متعللاً بمقولة ابن خلدون : “الأمة الضعيفة
مولعة بتقليد الأمة القوية” وهذا لعَمْري منتهى الخَوَر ، فتقليدك لغيرك يعني أنك راض بحالك ولا تريد أن تصيرَ قويًا!

جذور تاريخية:

وإذا أردنا أن نبحث في جذور هذه المهانةِ الحضاريِّة في العصر الحديث على الأقل لوجدنا أنَّ بوادرها كانت في أواخر الخلافة العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني 1785 –1839مـ يقول “(أرنولد توينبي) إن ما وقع في عصر السلطان محمود الثاني أول تأثير غربي حقيقي على تركيا”()


و”يقول الدكتور شفيق غربال:

(إن ما قام به السلاطين [العثمانيون] من محاولة للإصلاح على الطريقة الغربية يعادل أضعاف ما فعله الكماليون بعد الحرب الكبرى وأن الكماليين لم يفعلوا أكثر من إتمام ما بدأه السلاطين)

وكل ما سبق مهّد الطريق للخطوة الأخيرة في القضاء على الشريعة وتنحيتها تمامًا عن الحكم والسياسة وذلك فيما فعله (كمال أتاتورك) سنة 1342 هـ -1924م حينما ألغى الخلافة الإسلامية واتخذ دستورًا مدنيًا وألغى المحاكم الشرعية [فلم يترك إلغاء الشريعة في الهند 1856م وإلغاؤها في الجزائر 1830م نفس الأثر القاصم إثر إلغاء الشرعية في تركيا] ذلك لأن تركيا دولة الخلافة وبقية البلاد في ذلك الوقت أطراف لم تتأثر بها سائر البلاد كما تأثرت بعاصمة الخلافة حينما نحَّت الشريعة وألغت الخلافة.

وبهذا انتهت الصلة بين الحكم والسياسة، وانقطعت بوضوح بلا مورابة ولأول مرة في تاريخ المسلمين وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والدينية، وأصبح الدين محصورًا في المسجد ودود العبادة وزوايا الصوفية والله
المستعان”()

فمن هذا المدخل التاريخي ندلف إلى موضوعنا في كارثية التشبه بالكافرين وتقليدهم.

التشبه بالكافرين وتقليدهم محرَمٌ في ديننا الحنيف:

ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: «فَمَنْ»

ففي قوله صلى الله عليه وسلم “حتى لو سلكوا جُحْرَ ضَبِّ لسلكتموه” نفهم أن المقصود من الحديث شدةَ الاتباع والملازمة ونَذْكرُ في معنى الدخول في جحر أو ملاجئ صغيرة الآيةَ الكريمة في سورة التوبة التي تنْعَت المنافقين بشدةِ الجُبنِ والخَوْفِ والفَرَق في العهد النبوي، غَير أن مُنافقي اليوم ربما لا يكون خوفُهم على الحياة الدنيا الفانية ولكنْ على مزاياهم الاجتماعية والمناصِبِيّة،

“وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ* لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ” [56-57: التوبة]

ولو تأملنا قليلاً في عِبارة “مُدَّخلاً” من الناحيةِ البلاغيَّةِ لوجدنا أنها تشي بشدَّةِ صِغَر هذا المدخلِ فهو مُدَّخَل وكأنَّ الكلمة تُصورُ حالَ الدُخول في مَدْخِلِ هذا الجُحر أو المغارةِ وكيفيةَ ذلك؛ فهي عمليِّة شاقة مُتَقَطِّعة كتَقَطُّع لفظ الكلمة عند الدَّال المشددة!

فالهروب هنا من المواجهة ولو كان البديل الجُحْر ولو كان البديل التقليدُ؛ فالمواجهة وأخذ “الكتابِ بقوة” هي المُقابلُ للهربِ والاختباء في الملاجئ أو المغارات أو الجُحُور.

فكأنَّ التقليدَ بَرِيدُ النفاق، بترُ الجذور والانسلاخ عن حضارة هذه الأمة المسلمة نعم بريدُ النفاق ألم يقل الله تعالى في المنافقين:

“مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا” [143: النساء]

وأورد هنا مجموعة من الأحاديث المؤكدة على استقلالية شخصية المسلم:

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ).. إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ) رواه مسلم (302).

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) رواه أبو داوود .

وصحح إسناده العراقي في تخريج الإحياء (1/342) والألباني.

وروى أبو داوود عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ) وصححه الألباني في صحيح أبي داوود.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى) رواه مسلم.

وعن عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ رضي الله عنه قال: (قلت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ، قَالَ: صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ) رواه مسلم (832).

جاء عند أبي داود وغيره بسندٍ صحيحٍ: أن اهتمَّ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب رايةً عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا؛ فلم يعجبه ذلك. قال: فذُكِرَ له القُنْعُ [البوق]– يعني: الشَّبُّورَ – فلم يعجبه ذلك، وقال: (هو من أمر اليهود). قال: فذُكِرَ له الناقوس؛ فقال: (هو من أمر النصارى).

فانصرف عبد الله بن زيد – رضي الله عنه – وهو مهتمٌّ لهمِّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأُرِيَ الأذان في منامه. قال: فغدا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخبره؛ فقال له: يا رسول الله، إني لبَيْن نائمٍ ويقظان، إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان. قال: وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا. قال ثم أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال له: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبدالله بن زيد، فاستحيَيْتُ؛ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله. قال: فأذَّن بلال. وفي روايةٍ أخرى: فإنه أندى منك صوتًا.

وقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنْ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الجاثية/16-18

فإنْ نادى اليهودُ بالقوميّة ينادي العربُ بالقوميّة، حتى إن بعضًا من أبناء جلدتنا – وليسوا مِنَّا – من الليبراليين أو العلمانيين إن وجدوا أنَّ الغَرب عادَوا دينَهم – وهو محرَّف- عادوا ديننا وهو حقٌّ وإنْ نادوا بالعلمانيةَ ينادوا بالعلمانية، وإن قالوا إنَّ الإسلام دين توحُّش يقولوا إنَّ الإسلام دين توحُّشٍ وإنْ نادوا بالتحلل والإباحيّة ينادوا بالتحلل، ميلاً للغربيين ومبادئهم وشَقـًا لوحدة المسلمين واتباعًا لشهوات أنفسهم وحبًا للظهور، ولكنَّ الله متمُ نوره ولو كره الكافرون، فالواجبُ علينا التَصامُمُ عن هذه الدعوات قال تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [100-101-102: آل عمران]

ويُنسب لسيدنا عليِّ رضي الله عنه:

“ليس بين الحق والباطل إلا الباطل، ولا ينزل الحق قدر إصبع إلا خرج من صفته”

وفي الأدب الشعبي أنَّ حمامةً أرادت أن تُقَلِّدَ مشية الصقر فَمُسِخت غرابًا!


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد