نحن نعيش حالة من التبعية الفكرية والثقافية، عين على ماضينا نحاكمه، ونجلده، ونصفعه، ونبرأ منه، وعين على الغرب نعظمه، ونُجِلُّه، ونمجده، حتى نشعر نحوه بالهوان، والضعف، والاستسلام. هذا هو واقعنا!

أ.د. عبد العظيم الديب – التبعية الثقافية وسائلها ومظاهرها

أزمة هوية

هل صار الإنسان العربي عربي شعارات أم أن حتى تلك الشعارات اكتسبت نكهات مستوردة؟

أرى الإنسان العربي في لباسه التقليدي كأنه «فزاعة حقول»، مجرد هيكل أو هيكل مجرد، لا كيان له خاويًا من أي أثر لثقافته متخليًا عن تراثه منسلخًا منه كأنه رجس يَنْأى بنفسه عنه، اللهم إلا ما ورثه عن آبائه وأجداده من دين وعادات وتقاليد دون تمييز صالحها من طالحها، فأرى فيه آيات التناقض، مجتزئًا من كل بلد شيئًا من ثقافتها مكونًا بها ثقافةً هجينة له، فصار مذبذب الفكر مشتت الهوية لا هو إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا يملك من أمره شيئًا، كما لا يملك عقله أو قلبه، بل تلك الثقافة الهجينة هي من تتملكه وتتحكم في أفكاره ونواياه.

هل وصل بنا الهوان والوهن الفكري إلى استحسان كل ما عند الغرب حتى لو كان من الأمور المشينة في عُرفهم!

وتركنا لهم أنفسنا ليفعلوا بها الأفاعيل، تشويهًا وتغفيلًا.

وكما ذكر الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب في كتابه القيم التبعية الثقافية وسائلها ومظاهرها: «وكان من ثمرة هذا التضليل الثقافي أن ثقافة عصرنا – في جملتها- تدور على محورين، لا ثالث لهما: التهجم على تاريخنا السياسي، بل والفكري والسخرية منه، وازدراء علمائنا وأئمتنا، واتهامهم ظلمًا وزورًا بالقصور والتقصير، حيث يرى البعض أنهم انشغلوا بفقه الفروع».

«أما المحور الثاني، فهو الحديث عن أمجاد الغرب، وتقدم الغرب، وعظمة الغرب، والفجوة الحضارية التي بيننا وبين الغرب، ويفزعننا وينذروننا بأن مسافة التخلف تزداد عمقـًا واتساعًا.

«هذا هو واقعنا! أصبح ما يُمْكِن أن نسميه «جزء الأمة الثقافي» يسير فكره على هذين «القضيبين»، ويتعلق قلبه بين «هذين المتوازيين».

تَبعِيةٌ عمياء

ولقد أخبر الحبيب الذي لا ينطق عن الهوى أصحابه عن حالنا الذي وصلنا إليه الآن«”لَتَتَّبِعُنَ سَنَنَ من قَبْلَكُم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سَلَكُوا جُحْرَّ ضَبٍّ لسَلَكتُمُوهُ»، ألا ترون ما آل إليه حالنا من خزي وهوان وإتباع لسَنَن الغرب حتى فيما يخص ديننا، صرنا نطوعه لما يتناسب مع تلك السَنَن وليس العكس، رأينا شَعِيرة من شعائر الإسلام كالحجاب وأي عاقل يسير اليوم في إحدى شوارع بلد من بلاد المسلمين يرى الحال المخزي الذي وصل إليه شكل الحجاب ومفهومه عند عامة المسلمين، فنرى أحدث صيحات الموضة الغربية وقد ألبست من ضيق اللباس تحت ما يشف منها ليجمع بين ما يشف ويصف وهما اثنان من نواقض الحجاب الشرعي وكل هذا في سبيل تطويع الدين ليتماشى ويواكب المحدث من العصر دون تمييز من، أيقبله الدين أم يرفضه، رأينا الملابس الضيقة الكاشفة عما يجب عليها ستره وعليها غطاء الرأس في مدعاه أن هذا حجاب، وقد يكون حتى هذا الغطاء كاشفًا لبعض الشعر والرقبة وحتى مسمى باسم غربي «Spanish» ومع ذلك لا نخرجه عن وصفه أو كونه حجابًا! فأعجب وهل بقي من الطابع العربي حتى على الأقل شيء في هكذا حجاب فضلًا عن الإسلامي.

ولا يخفى على أحد ما وصل إليه حالنا من استيراد الشعارات الغربية التي تدس من خبيث الأفكار وأحقرها كما يدس السم في العسل؛ فنرى الكبار والصغار وقد ارتدوا من الملابس ما طبع عليه من الكلمات الإنجليزية ما قد يحمل شعارات هدامة لثقافتنا العربية ولديننا، وحتى العلامات والرموز كعلامة ««Play Boy الإباحية التي غزت ملصقات السيارات وكثير من المنتجات حتى وصلت إلى الملابس، وحتى إني رأيت صورة لفتاة ترتدى حجابًا ويحمل ذلك الشعار! فلا أملك ما أقوله أمام هذا السيل الجارف لثقافتنا وتراثنا إلا أن أعترف أننا في زمن عمت فيه بلوى التغريب وطغت وطفح بها الكيل.

هل صرنا نشتهي كل ما هو مستورد وندعوه بالعصري من أول أسماء أبنائنا إلى عربة التسوق في المراكز التجارية، فنملؤها من كل ما لذ وطاب من الماركات العالمية تاركين ما له علاقة بتراثنا ومجتمعنا العربي على الأرفف، من أول الطعام والشراب مرورًا بالملابس وأثاث المنزل، أصبحنا نتحرى الأفضل المتمثل في كل ما هو عصري الذي هو باختصار مستورد من بلاد أخرى بعيدة كل البعد عن ثقافتنا وديننا، وحتى فيما يخصهما صرنا نستورد ماله علاقة بهما من تلك البلاد، من سجادة صلاة ومسابح إلى اللباس التقليدي وكل ما يتعلق بالصناعات التراثية «كنت قد تعرضت لموضوع الصناعات التراثية في مقال سابق الفانوس الصناعة التراثية وضياع الهوية»، أصبحنا نعتمد على غيرنا في صناعته ونكتفي نحن فقط باستهلاكه، أصبحنا مجرد كائنات استهلاكية نكتفي بما نحن بارعون فيه من استنزاف للطعام والشراب وإلقاء الفائض في النفايات، وإفراغ الفضلات في المرحاض وانصرفنا عن هدى حبيبنا: «بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه»، ناهيك عن شتى أنواع الإسراف في كل نواحي الحياة.

أحيانًا أقف مذهولة مذعورة من الحد الذي وصل إليه حالنا من تلك التبعية العمياء، أتذكر منذ سنوات كانت أمي تجلس مع إحدى الجارات وكانت تحكي لها كيف أنها عندما أنجبت ابنها الثاني أحبت أن تسميه «محمد» لكن زوجها اعترض! لإبراز ذلك الاسم لهويته الإسلامية؛ متعللًا بحال سفره خارجًا إلى بلد أجنبي فلا يؤثر اسمه على التفاعل مع ذلك المجتمع الغربي! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

التنشئة الثقافية والتبعية

المشكلة لا تتوقف على الأسماء بل تتعداها إلى ما هو أبعد وأخطر وأشد تأثيرًا، فلا يخفي على أحدنا ما وصلنا إليه من تنشئة أبنائنا على هذه التبعية، حتى حين تصيبنا نفحة وعي ونَنْأى بهم عن ذلك الزخم المستشري في كل ما حولهم، نجد أن ما حولنا يطغى على محاولاتنا اليائسة، فقد عمت البلوى وبلغت حدًا من الصعب أن نَنْأى بأنفسنا وأبنائنا عنه تمامًا، فمن منا لا يلاحظ برامج الأطفال والتي تطغى عليها الرسوم المتحركة، التي تسلب لب الأطفال مخدرة ومبعدة إياهم عن الواقع، مؤثرة على عقولهم بالسلب ومرسية قواعد التبعية في تلك العقول البريئة التي لم تخرج إلى الدنيا بعد لما فيها من غرس لعادات شاذة بعيدة كل البعد عن مجتمعهم وشعارات وأفعال منافيه لما نص عليه الدين ومما تأباه الفِطرُ السليمة، فأتساءل أين نحن في عالمنا العربي والإسلامي من الإنتاج والطرح المثمر لبرامج الأطفال.

ألا نرى كيف صرنا نهمش لغتنا العربية ونذهب بأبنائنا للدراسة في مدارس اللغات والمدارس الأجنبية مفتخرين بهم وهم يجيدون الحديث بتلك اللغة الأجنبية على حساب لغتهم الأم التي تلقى منا نحن أبناؤها كل عقوق، والتي همشت وشوهت في كل مناهجنا التعليمة، وأُدخل فيها من النصوص ما هو محدث، خالي المعاني ركيك اللغة، ولا يفهم القارئ أني ضد العلم وتعلم اللغات ودراسة الثقافات الأخرى، بل هذا واجب وحسن وديننا يأمرنا بالعلم والاستزادة منه «وقل رب زدني علمًا» سورة طه:144 «والنصوص الشرعية في بيان فضل العلم – دينيًا ودنيويًا- كثيرة»، بل ما أنا ضده هو تفضيل اللغة والثقافة الأجنبية على العربية الأصيلة لغة ثقافتنا وتراثنا، وحتى في أنظمة التعليم المتقدمة، لا يبدأ الطفل في تعلم لغة ثانية مع لغته الأم قبل أن يتقنها ويصل إلى سن تأهله استيعابها دون أن تطغى على لغته.

وأين نحن من نتاجنا الثقافي والفني على كافة المستويات الذي ينتمى حقـًا إلى مجتمعنا ويطرح قضاياه ومشاكله ويناقشها بإيجابية، هل أصابنا العقم الفكري؟!

وما هذه إلا أمثلة بسيطة على مدى الوهن الفكري والحديث يطول في ذلك الأمر الذي أصبح داء العصر، ومع مرور الزمن يستشري، فهل نستيقظ قبل فوات الأوان؟

وللحديث بقية إن شاء الله؛ فانتظرونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد