في بداية الشهر الفضيل الذي يحل كل سنة ليذكرنا أننا نملك من القيم دائرة تلاق حقيقية، رغم الفرقة التي باتت تميز واقعنا باعتبارنا عربًا ومسلمين. تغيرت الأحوال وعوضت الانتماءات القطرية الشعور بمفهوم الأمة الذي يجعل تشابهاتنا إطارًا يحدد قيمة هويتنا الحضارية في العالم بأسره. بل وتطوّر الاختلاف السياسي إلى اختلافات جوهريّة في الفكر وعداوات تجاوزت الحدود والأبواق الإعلامية إلى أرض الواقع حتّى بات مفهوم العربي دون معنى. وهذا الاختلال للأسف ليس وليد اليوم، بل هو نتاج مسار من غياب التضامن بيننا وسيادة تعصب قطري بدله، غذته الظروف والإرادات السياسية، حتى صار ظاهرًا حتى في تعاملاتنا مه بعضنا على أراضي الغير.

في أمريكا مثلا، كل الأقليات تحتضن أفرادها في تضامن طبيعي أساسه الهوية الثقافية المشتركة. كلها صارت تعي قيمة وحدتها للدفاع عن حقوقها وعن تواجدها في الهوية الثقافية للبلاد التي تريد الغالبية الاستحواذ عليها بمفردها، متجاهلة حقيقة أن الهجرة هي هوية البلاد الحقيقية. إلا أحبتنا العرب، فلا قيمة حقيقية لهم في التواجد السياسي ولا الكتل الانتخابية، وهذا بالضبط ما يجعلهم ضحية سهلة لكل حاملي فكر التطرف وكارهي دين المسلمين. بل إن كل عربي أو مسلم تفتح أمامه أبواب النجاح يسعى بكل ما يملك إلى أن يتبرأ من مشاعر انتمائه لهويته الأصل، وقد يستثمر أحيانًا أفعال عداء تجاه العرب أنفسهم، عله ينجح في إثبات الولاء لمالكي السلطة بوطنه الجديد.

نفس المنطق يميز حياة العرب في أوروبا كذلك. تشردم ونقل لصراعاتهم المحلية إلى أراضي الغير. ففي فرنسا مثلا حيث ذوي الأصول العربية يشكلون عددًا كتلة انتخابية حقيقية قادرة على تغيير مجرى الأحداث، تجدهم مركزين في حروبهم الهامشية، التي قد تتمركز أحيانًا في تفاهة حقيقية حول انتماءاتهم الأصلية، فتجد الهوية القطرية حاضرة بشكل أهم من البحث عن واقع أننا أمة واحدة، فرقتها سياسية صناعها أهل السياسة والمستفيدون من ممارستها. وهم لا يتخدون العبرة من تلاحم جاليات كالأتراك مثلا الذين يفرضون وجودهم بألمانيا في احترام كامل لهويتهم الأصل وفي فخر يجعل الجميع يراهم أتراكًا قبل كل شيء، أو الصينيين الذين يعملون في صمت متحابين فيما بينهم حتى يسهل الاندماج على مجملهم حتى صارت كل المدن الأوروبية تفتخر بأحيائها الصينية في الوقت الذي يتأفف معظمها من أحيائه العربية حيث تسود غالبًا أنشطة غير سوية. أما بإنجلترا فيكفي التجول في شارع ادجوارد بلندن حتى تفهم أن الفوارق بين العرب حقيقية وأن مشاكلهم السياسية حاضرة في حياتهم اليومية ولو على بعد آلاف الكيلومترات من ديارهم.

هل نجح أهل السياسية في غرز الكره حقيقة مشاعر بيننا؟ هل أصبحنا فعلا نؤمن أن هوياتنا القطرية حديثة العمر هي هويتنا الحقيقية؟ السؤال يستحق تفكيرًا وجوابًا. فإن كان بالإيجاب، فلنرحم أنفسنا على الأقل بإنهاء أي تقارب بيننا على الإطار المؤسساتي ونترحم على مفهوم الأمة ونجتر مصير فشلنا الحتمي في صمت. أما إن كان رمضان قادرًا على أن يذكرنا بأن الله خلقنا سواسية وأنعم علينا بلسان واحد ودين غالبية نفسه وجمع بيننا في الماضي لنتقدم العالم في مسيرة ترقيه الحضاري، فيجب أن نستعيد فكرة المضي بعزيمة نحو إعادة النظر في تقديم هوياتنا القطرية على انتمائنا لأمة عربية واحدة، وللمتشائمين عبرة في اتحاد أوروبي يسود بينه التفاوت على كل الأصعدة ولم يعرف ماضيه غير الحروب بين أهله، لكنه استطاع بإرادة سياسية حقيقية أن يخلق لنفسه لسانًا سياسيًا واحدًا مع أن له لغات مختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد