منذ أيام وأنا أتجول بين الأسواق والمحال التجارية، وككل عامٍ ومع اقتراب الشهر الفضيل يلفت انتباه كل منا ازدحامها بشتى الأشكال والألوان من فوانيس رمضان، فتبعث في النفس الحنين للشهر الكريم، وتوقظ للفكر ذكريات طفولة مرحة حين كنا ننتظر كل عام أن يدخل علينا الوالد أو الجد بفانوس جديد، فنشتم عبق الذكرى وقد تسمرنا أمام ذلك المشهد البهيج، ولكن ما يلبث المرء أن يلتفت للجهة المقابلة لهذا المحل أو ذاك ليرى أشكالًا للعب مثل دمية بلاستيكية لـ«Sponge pop» أو الـ«Minions» أو «Dora» وغيرها الكثير من شخصيات الكارتون المستوردة، كنت في بدء الأمر أظنها دُمى عادية إلى أن رأيت أحد الباعة يعرضها لأحد الزبائن لأنتبه للـ«Minion» ذي العجلات يجري على الأرض وهو يصيح «أهلًا رمضان.. رمضان جانا!» والأضواء تشع منه في كل اتجاه، وما زاد من عجبي تسمية البائعين له الفانوس! «فانوس رمضان!» فأصابتني الخيبة للحال التي وصلنا لها من استساغة كل غث بعيد عن ثقافتنا وتراثنا، بل وقبولنا لتشويه كل ما يمسهما بحجة إلباسه لباس الحداثة والعصرية؛ فيخرج في النهاية منتجٌ هجين بعيد كل البعد عن ما عهدناه وألفناه من رموز ومراسم استقبالنا للشهر الكريم «وما هذا إلا مثال»، فنجد تلك الفوانيس الهجينة ذات صناعة بلد بعيد كل البعد عن ثقافتنا وعن ديننا، ولا يعرف أن يقدر تراثنا العظيم حق قدره، فيصنع تلك الفوانيس زهيدة الثمن ممسوخ الهوية؛ ليغوي بها أطفالنا الذين منذ أن خرجوا إلى الدنيا وهم يتابعون أبطالهم من مسلسلات الكارتون المستوردة الغريبة عن ثقافة بلادهم، والبعيدة كل البعد عن قيم دينهم وأخلاقه الفاضلة، وحتى عن ما ألفه آباؤهم عندما كانوا بأعمارهم، فلا تعجب حين ترى الطفل يصر على اقتناء ذاك المسخ الهجين الذي أسموه «فانوسًا»، ورغم ذلك أعجب! أعجب أين روح الشهر الكريم وعبقه الطاهر الذي كنا نلتمسه في فانوسنا محلي الصنع ذي التصميم التراثي الأصيل؟ حتى ما نجده اليوم على الطراز التراثي أو «الكلاسيكي» من الفوانيس المصنوعة من الخشب أو المعدن أو حتى البلاستيك سيطرت عليها نفس الأيدي الغريبة، فما تلبث أن تمسك أحدها حتى تتأكد شكوكك بعبارة «صنع في الصين»، بل والأكثر من ذلك طمسًا لروح التراث عندما تجد الفانوس الصيني التقليدي وقد أُغرقت به الأسواق، وقد كتب عليه عبارة «رمضان كريم!».

واقعٌ يثير في النفس الاستياء والحزن على الحال التي وصلنا إليها من اتباعٍ لكل ما هو جديد دون التفرقة ما بين الغث والثمين، فأتساءل متعجبة: هل فسدت أذواق مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى هذا الحد الذي يجعلهم يقبلون كل ما يعرض عليهم من كل محدث من أفكار وبضائع، حتى ولو على حساب تراثهم وثقافتهم؟

هل صرنا منعدمي الذوق فاقدي الحس والحاسة فأصبحنا نقتني أي شيء وكل شيء غريب بحجة التجديد والتغيير وهذا ما يتطلبه العصر؟

كيف سيستشعر أبناؤنا روح الشهر الكريم ويعيشون أجواءه وأبسط رمز يربطهم به لا يمت بصلة لما يحمله الشهر الفضيل من معاني الإيمان والوقار؟

ربما يجد أحدكم تلك الكلمات عبثًا وهذيًا ولكن ليقف كلٌّ منا لحظة ويفكر إذا كان هذا حالنا مع إحدى رموز احتفالنا بالشهر الكريم، فما بالنا بما هو أكبر من ذلك من أمور تمس ثقافتنا وتراثنا، وكيف هي حياتنا بعد أن قبلنا أن نستورد كل شيء حتى ما يسيئ لنا ولتراثنا، وقبلنا أن نعيش أنصاف بشر على هامش الحياة، ونجعل من عقولنا إسفنجة تتشرب كل ما يعرض عليها من شتى الثقافات دون تمييز، بل ونستحسنه ونقدره ونعلي من شأنه، ونضرب بالأصيل من ما مَنّ الله به علينا من جميل فضله، نضرب به عرض الحائط.

فهل عرفتم لماذا هُنَّا بعد أن كنا أعزاء؟

وما زال للحديث بقية، عن الإنسان العربي وأزمة الهوية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد