أصعب مرحلة يمر بها أي إنسان في حيواته المتنقلة بين الطفولة والصبا والشباب، وكليها ميلاد وموت في آن واحد، فحياة الأجنّة ومن ثَمَّ حياة الطفولة، الي الصبا للشباب إلخ، وفي كل مرحلة خروج من طور ودخول في آخر حتى يخرج من عالم الحياة إلى عالم البرزخ، ولكن في حيوات الدنيا اعني ميلاد نظرة للحياة، وموتها بيملاد نظرة أخرى يرى بها العالم، حتى تأتي تلك المرحلة التي يبنى عليها نظرته السائدة مع الحياة، وهي نقطة التّحول الكبرى، والتى تكتمل فيها نظرته للحياة والتي ابرم عليها المجتمع الإنساني بما يسمى مرحلة النضج، وهي التي يبلغ فيها الإنسان لدرجة ما من الاستقلالية التي تعطيه الشكل الذي يستطيع من خلالها الاستجابة مع البيئة المحيطة له والتعامل معها بشكل كامل، والنضج، لها دوائر عديدة في حياة الإنسان.

هناك دائرة النضج النفسي والمعرفي ومن ثَمَّ يترتب عليها العقلي، والنضج القانوني والذي يحدده القانون حسب كل دولة واعرافها، وبذلك تتعدد دوائره وكل دائرة تحددها مرحلة معينة من العمر، أو تحددها البيئة، أو درجة المعرفة، واخرى تحددها المواقف التي يخرج بها من تجارب حيواته السالفة وهي الأكثر تأثيرًا والأكبر عمقًا، وتلك الأخيرة تقوده إلى نقطة التحول الكبرى، وتحصره بين طريقين، إما طريق الزيف أو الحقيقي، وأعني أن كلا الطريقين هو إطار عام يضع فيه الإنسان صورته مع عالمه الخارجي، إما الزيف وهو غالبًا نتيجة عرضية، والأسهل على الإطلاق كي يواكب بيئته المحيطة ومسايرة المفاهيم السائدة حتى لا يكون عرضة للانتقاد وهذا شعور طبيعي لعدم الخروج عن دائرة الأمان، والاستقرار الوهمي، أو أن يختار الإطار الحقيقي، والذي يعبر بلا شك عن صورته الخاصة، وهي لا شك الأصل الذي ينبغي أن يتعامل بها كل فرد، وهنا تقع الطامة الكُبرى، فكرة الاختلاف في مجتمعنا والخروج عن السرب، أو بالأحرى القطيع هي أمر مرفوض بمجتمعنا الشرقي خاصة.

وتأخذنا إلى سؤال: هل مجتمعنا وصل لحالة من النضج الخالص لكي تكون هي النتيجة العرضية لمرحة نموه الإنساني بين المجتمعات، أن أصبحت الاستقلالية التى هي حق طبيعي للإنسان نوعًا من الشذوذ؟ بالطبع سيرفض البعض، ويظل يلقي بمجتمعنا بتهمة الشذوذ الذي أخرجه عن دائرة النضج الإنساني في حين أن المجتمع الغربي وصل لحالة من النضج الذي هو مبهر، والذي أخذ على عاتقه فردية الإنسان، واستقلاليته، وحريته، وهذا لاشك رائع، لكن ليس ذلك، هو شكل آخر من الانسياق في ذمرة القطيع الأكبر عرضة للشعور أننا خارج دائرة الأمان ومواكبتها، أعني أن البعض يظن الخروج عن دائرة النضج الإنساني لهذه المجتمعات التي يراه البعض بلغت مبلغها من النمو هو ذاته أيضًا نوع من الانسياق في القطيع الأكبر ، فيسألني القارئ إذًا ماذا تريد بعد؟

إن ما أرمي إليه حقيقة لكل مجتمع هويته الخاصة والفريدة التي نمت من خلال نموه الحضاري الخاص، والتي مرت بالعديد من مراحل تطوره عبر الأزمان بين ميلاد لمرحلة وموتها بميلاد أخرى، وعلينا قبل أن نلوم مجتمعنا بعدم مواكبته المجتمعات الأخرى في نضجها، أن نرجع خطوة وننظر تجربتنا الخاصة والتي ربما إذا أعدنا النظر في حضارتنا السالفة ربما نخرج بدروس كثير تجعلنا نتجدد من ذاتنا، لتبقى حقيقتنا نحن.

فإعادة بناء المفاهيم لمجتمعنا لا يجب أن نستمدها بتلك الصورة المستنسخة بقدر ما تكون خالصة من ذاتنا وحينها يمكن أن نقول إننا على درجة كافية من النضج الخالص الذي يجعلنا في درجة من الاستقلالية والاستجابة للمجتمع الإنساني ككل، لكن دون الخلل بهويتنا وفرديتها وحقيقتها ليس بإطار مزيف منفصم عن ذاتنا وجسدها وروحها الفريدة المتمثلة في هويتها، فهذا لن يضر المجتمع الأكبر، بل هو شأن الحياة، ومسارها الطبيعي الذي خُلقنا من أجله، استقلالية الذات، ومن ثمّّ القدرة على الانتقاء لما يناسب ذاتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهوية, نضج
عرض التعليقات
تحميل المزيد