هل عشت عصر السادات؟ إذا كانت الإجابة لا، فعليك أن تشد حزام الأمان، لأنك ستنطلق في رحلة محاكاة للعصر الساداتي المبارك. وإذا كانت الإجابة نعم، فلا بأس من أن تعيش نفس المشاعر والانفعالات سلبية كانت أو إيجابية. وقد حل السادات بشخصه وبانتمائه الطبقي، كي يمدد أزمة الوطن الغارق في مستنقع الفقر والطائفية، كي يخلق مزيدًا محفزات الحرب الأهلية، في ظرف انعدم فيه البديل الوطني الحقيقي، زمن أزمة اليسار وضياع الهوية الوطنية بعد سنوات طويلة تم فيها نسف كل الثوابت الوطنية التي أرستها دولة عبدالناصر.

استولت البرجوازية على الحكم وسخرت جهاز الدولة لتصفية الشعب المصري على كافة المستويات. وقاد السادات التحول، مضفيا عليه طابعا يمكن تشبيهه بالكوميديا السوداء. رئيس جاهل، منبهر بالنموذج الأمريكي، يعاني من عقدة نقص انعكست على أدائه المسرحي. تحولت الدولة على أيدي بيروقراطيتها إلى جهاز للجباية يعمل بكفاءة في خدمة مختلف شرائح البرجوازية المصرية. الدولة، آلة القمع، وظيفتها تركيع الفقراء طالما هي ليست دولتهم، سيفا على أعناقهم، سيفا في يد العدو الطبقي. هذا السيف ما إن يستولي عليه الفقراء سوف يكون سيفا على رقاب البرجوازيين. هذا هو حال الدولة منذ نشأت، إما هي دولة المستغِلين أو دولة المستغَلين. ولم يعرف تاريخ الدولة كجهاز قمعي أي حالة ثالثة، الدولة لا تعرف الحياد، لا يمكنها أن تكون جهازا للتوفيق بين طرفين متناقضين، لأن نشأت أساسا لإبقاء أحد الطرفين خاضعًا للطرف الآخر، ينسحب ذلك على كل دولة، حتى الدولة المصرية مهما قيل تاريخ نشأتها وظروف تكوينها هي أداة قمع في التحليل الأخير. الذي حدث أن البرجوازية البيروقراطية استولت على جهاز الدولة في أواخر الستينيات، وتجسد الاستيلاء عمليا بالإطاحة برؤوس الناصريين المتواجدين في قمة جهاز الدولة في 15 مايو 1971، بعدها أصبحت البرجوازية تمارس سلطتها بشكل علني، تدعمه بتشريعات وأدوات قمع مستحدثة تلائم التحول من اقتصاد الدولة الوطنية، إلى اقتصاد التبعية والارتهان للغرب، والتسليم للصهاينة. بقي هذا الوضع منذ هزيمة مشروع عبدالناصر حتى الآن، بقيت الدولة للبرجوازية، لم تغير في الوضع توازنات القوي و«الشِّلل» داخل التحالف الحاكم، الثابت أن الدولة في أيدي الكمبرادور بأي زي أو هيئة. لم يغير في الأمر هبات شعبية ذُبحت على مذبح غياب التنظيم الشعبي.

هل اختلف سلوك السادات عن سلوك من تلاه؟ جوهر الخط العام للحكم واحد، تفكيك الاقتصاد الوطني كان مهمة السادات، ربط مصر بتبعية مُذلة لمراكز الرأسمال العالمي هو من بدأه، الانبطاح للصهيوني، وكسر الصف العربي تم على يديه، ثم استكمل التالون الرحلة. ألم تنفتح مصر على صندوق النقد الدولي في عهد السادات؟ ألم تبدأ أولى محاولات رفع الدعم عن السلع الأساسية على أيدي سلطة السادات؟ ما أشبه الليلة بالبارحة! تحدثنا السلطة اليمينية عن عجز الموازنة، الفجوة بين الموارد والمصروفات، تلك المصروفات ليست خططًا للتنمية، إنها إنفاق بذخي لطبقة سفيهة. سيتم سد الفجوة بتلال من الديون تتراكم كالجبال على كاهل الفقراء. لكن الفجوة سوف تتزايد في الاتساع حتي تبتلع النظام كما الثقب الأسود.

تحيا مصر على المسكنات، ويجد الحكم من يبرر له الهوان. فالمنطق السائد هو أن السلطة لا قبل لها بمواجهة الطبقة! هل السلطة راغبة في المواجهة؟ الرغبة ليست قرارا فرديا يتخذه التافه ضيق الأفق محدود المواهب والإمكانيات، إن المواجهة رهن بانتمائك الطبقي. السلطة غير متجانسة، بداخلها «شِلل». شلة المؤسسة على رأس الجهاز، عليها يرتكن كل المنطق القائل إن السلطة راغبة لكنها غير قادرة. كأن انحدار السلطة من المؤسسة العسكرية هو الحاسم في انتمائها الطبقي. والحقيقة أن الأمر بحاجة إلى تبيان. السيسي يعتمد في الحكم على المؤسسة العسكرية، بمعنى أن الجيش هو نقطة ارتكازه. ومستشاريه من العسكريين، وجولاته، والمشاريع التي يعلن عنها بصرف النظر عن حقيقتها هي من إخراج الجيش. وفي ما يبدو كأنه مواجهة لأزمة ارتفاع أسعار السلع دفع الجيش بعربات تابعة لجهاز الخدمة الوطنية تقدم المنتجات الغذائية الأساسية بأسعار أقل من أسعار طرحها في السوق. يبدو هذا وكأنه دخول الجيش كمؤسسة من مؤسسات الدولة في منافسة مع التجارة التي يسيطر عليها الكمبرادور. هذه نقطة، إن رأيتها في ضوء الموافقة على شروط الصندوق واقتراض 12 مليار دولار، سوف تعلم أن الأمر لا يتعدى كونه محاولة لامتصاص الحنق الشعبي. الناس لا يجدون قوت يومهم، وإن خرجوا إلى الشوارع مجددًا فلن يذروا على الأرض لا شِلة المؤسسة ولا المؤسسة ولا كامل تحالف النهب الحاكم. كيف يبدأ الأمر بمنافسة القطاع الخاص في التجارة الداخلية، لينتهي بأن تسلم الدولة سراويلها لصندوق النقد الدولي كمنظمة تشرف على إدارة الفوائض النقدية في بلاد الأطراف بما يخدم النمو في بلاد المركز، منظمة مهمتها تعميق تبعية العالم الثالث لمراكز الرأسمال الإمبريالي؟

إن من يريد المنافسة سوف يؤسس منافذ ثابتة للتجارة في كل شيء، إن لم يتجاسر على تأميم التجارة. سوف يدعم ما تبقى من مصانع الدولة كمصنع قها للمنتجات الغذائية، بدلا من بيع بسكو مصر. من يريد المواجهة لن يخسر كل معركة. الدولة مررت كل زيادة في الأسعار على كل سلعة، لا زالت تسير في طريق التطبيع الذي يعد خطا أحمر تجاوزته الدولة المصرية تجاوزا يظل بلا رجعة طالما أنها دولة البرجوازية ويحتاج لمقالات عدة سرد تجارب تاريخية لدول استطاعت النفاذ من خلال الطوق الإمبريالي ومواجهة برجوازيتها المحلية، دول استولت شعوبها على سلطتها بتنويعات عديدة. إن الحجة القائلة بأن السلطة راغبة في المواجهة لكنها غير قادرة، ثبت زيفها. قرض الصندوق والخطاب السائد يفضح ويسقط كل تلك الادعاءات. التوقيع مع الصندوق هو انتحار، هو حد فاصل بين الوطني وغيره والوطني حقا سوف يختار أن يموت مقاتلا ضد التبعية وأدواتها ومن فرضوها على أن يوقع صكوك الاستسلام. السلطة هي سلطة الرأسمالية حتي في ظل المجموعات المختلفة بداخلها. ليس الخلاف على رفض التبعية من عدمه، الخلاف هو الحصص، ومعدلات النهب التي تتناسب طرديًّا مع تصاعد الغضب الاجتماعي.    

ويبدو الخطاب المصاحب للإجراءات الاجتماعية المعادية للفقراء وقِحًا كالعادة. يطل علينا رأس الدولة ليعلن بنفس الزيف الذي مارسه السادات ومبارك وطنطاوي ومرسي وكل أعداء الشعب، أن سبب الأزمة هو الحروب التي أرهقت الاقتصاد، والموظفين الزائدين عن الحاجة. أي بئر حقير ينهل منه هؤلاء، أي مدرسة للزيف تربوا فيها؟ يحدثنا الرجل عن مصر، الأسرة الكبيرة التي يتعين على الفقراء أن ينهضوا بأعبائها، أن يتحملوا. هل يتحمل أبناؤك الجوع يا هذا؟ هل تخرج امرأتك إلى السوق كل صباح بملاليم لا تكفي لشراء لوازم وجبة من ثلاث وجبات يحتاجها الفرد؟ هل شعرت يوما بضغط عدم كفاية راتبك للعيش؟ هل مرض أحد أبنائك ولم تستطع شراء دواء له، ولم تجد مكانا آدميا تعالجه فيه؟ أنت وكامل الشريحة الاجتماعية التي تمثلها لا كفرد؟ هل هذا هو الحسم في مواجهة الفاشية الدينية وتنظيماتها التي تحول الصعيد وكامل الوطن المصري إلى مستودع قابل للانفجار الطائفي؟ أم أن الميوعة من شيم البرجوازيين؟ بعد ثلاثة اعوام من هبة يونيو، لم تلق قيادة فاشية جزاءها، هذا بخلاف تبرئة سلطة مبارك. أظن أن السيناريو الذي سارت عليه البلد منذ 11 فبراير 2011 حتى اليوم هو التبرئة الحقيقية لمبارك وعصابته. فالعصابات تتناوب على هذا الوطن منذ مايو 1971.

أليس هناك مخرج؟

مخرجنا بأيدينا، إنشاء منظمة تعي أن لا أمل في البرجوازية المصرية الساقطة تاريخيا. منظمة تحشد الجماهير الشعبية لكسر السلطة، الظرف الموضوعي حاضر وينضج باستمرار، والجماهير لديها من السخط ما يكفي لهدم الكون فوق مستغليه، لكن الثورة ليست فوضي، إنها فعل يستثمر قوة الفوضى في أعلى أشكال التنظيم لإسقاط نظام وإقامة نقيضه. الجهد المهدور للشعب المصري في هبات انتفاضية عدة كان سببه غياب التنظيم الشعبي القائد، ليصبح البديل هو الجيش أو تنظيمات الفاشية الدينية لنظل نراوح نفس المكان بخطر يتعاظم، خطر حرب أهلية ذات نزعة طائفية، بعد أن استطاعت التنظيمات الفاشية خلق حالة من الاحتقان الطائفي كتنفيس للأزمة الاجتماعية الحادة الناشئة عن الانقسام الطبقي العميق في صفوف المجتمع المصري.

إن المقاومة تتمثل في نبذ هذا السقط، واقامة منظمة شعبية تسعى للاستيلاء على السلطة بدلا من تذيل هذا الطرف البرجوازي أو ذاك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد