«الرجل الخراب» رواية للروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن الحائز على جائزة الطيب صالح للرواية في دورتها السابعة، من إصدار «مؤسسة هنداوي 2015»، تشكل هذه الرواية إضافة ثرية مواكبة لمجريات العصر في طرحها الذي يتناول الهجرة غير الشرعية من دول العالم الثالث إلى دول الغرب المتقدم، مع ما يرافق هذا الانتقال من صعوبة الاندماج في مجتمعات ذات طبيعة مغايرة ومفاهيم مختلفة. وذلك بأسلوب سرد حر يزاوج بين السرد السينمائي بطريقة الفلاش باك والسرد الذي يميز طابع المقال الصحفي، ليطرح إشكالات الهوية العربية في دول المهجر.

من اللافت في أسلوب الرواية ما يمكن أن أطلق عليه تحرر الروائي من قواعد كتابة الرواية، بحيث إنك إن قرأت رواية رجل الخراب فستجد نفسك في منعطف ما من الرواية أمام أسلوب يصنع في داخلك صدمة التلقي من حيث لا تتوقع، ففجأة وأنت تتابع الأحداث الملتهبة لبطل الرواية، يخرج السارد عن النص تمامًا، ليبدأ في ذكر النقد الذي وجهه بعض النقاد لأسلوبه في رواية أخرى له اسمها «الحندريس»، ليذكر أنه لن يكرر أسلوبه السابق في روايته «رجل الخراب» لأنه حسب تعبيره لا يريد الدخول في أية مشادات أدبية!

ما يشدك أكثر للرواية هو المقدرة الفذة لعبد العزيز في الانتقال بين أسلوبي الراوي والسارد، فهو يحكي عن البطل بلغة السارد مرة، ثم لا يلبث أن ينتقل للغة الراوي حين يترك الزمام للبطل ليحكي عن نفسه. فنجده بعد أن أسند لدرويش -بطل روايته – مهمة رواية بعض الأحداث، يلتقط منه رواية الأحداث بقوله: (أظن أن درويشًا استطاع أن ينقل لنا المشهد السابق بصورة طيبة، ولو أنه لم يتحدث عن نفسه كثيرًا كما هي عادة الأبطال الذين يعطون فرصة في التحدث عن أنفسهم بضمير المتكلم، الذي أسميه ضمير المثرثر). لنترك الآن أسلوب الرواية لندلف إلى مجريات أحداثها وأجوائها الشائقة.

تبدأ أحداث القصة حين تخبر نورا شولز زوجها حسني درويش أن ابنتهما ميمي ذات الثمانية عشر ربيعًا قد حصلت أخيرًا على صديق وسيم. كانت السعادة تملأ نفس نورا بعد أن ذهبت بصحبة ابنتها للأطباء النفسيين في فيينا عشرين مرة حتى تخرجها من عزلتها الاجتماعية وتتخذ لها صديقًا مثل بنات أوروبا. هذه العزلة التي تسبب فيها زوجها درويش لمعارضته مثل هذه الأمور من منطلق بيئته الإسلامية التي صدته عن قبول مفاهيم الحياة الأوروبية، فهو مهاجر من أم مصرية وأب سوداني، عاش بين السودان ومصر قبل أن يدرس الصيدلة في جامعة أسيوط، لينطلق بعدها مهاجرًا غير شرعي إلى النمسا يحمل اسم هايرنش.

صُدم درويش حين أخبرته زوجته أن توني صديق ابنته ميمي، سيعرج على منزل الأسرة لزيارة تعارف، وأن الليلة ستكون هي الأولى لميمي، في إشارة منها للعلاقة الجنسية التي ستكون بين ميمي والبوي فريند الجديد، وتركته زوجته يتقلب في سريره وقد ملأته الهواجس والظنون، يعض أصابع الندم لإنجابه بنتًا ستلصق باسمه العار حسب مفهومه العربي الإسلامي الذي جعله يفضل الموت عن هذا المصير. وذهب بمخيلته إلى قريته بشمال السودان، حيث يمكن أن يتأكد الناس من عذرية بناتهم بالاستعانة بنساء يقمن بفحص الفتاة المتهمة، فإذا صرحن بفقدها للعذرية يحق لأهلها دفنها حية! وتمنى لو أنه غادر بلد مهجره قبل هذا اليوم!

أعادته هذه الخواطر إلى أيامه الأولى بالنمسا حين بدأ حياته بعمل وضيع يتعلق بالكلاب، حيث كان يعمل في قضاء حاجات الكلاب! ليتحصل على رزقه بالتجول معها في شوارع المدينة، وعندما تلقي بفضلاتها يقوم بجمعها في أكياس وإلقائها في الأمكنة المخصصة لها، ثم إعادة الكلاب لتأكل وتمتلئ ليخرج برفقتها من جديد. ومن حسن طالعه أن لوديا شولز صاحبة الكلبين اللذين كان يخدمهما درويش، كانت على خلاف مع ابنتها نورا فلما اقترب أجلها سجلت أملاكها، منزلها وسيارتها وأموالها لدرويش، ولما توفيت الأم تزوجته نورا لتنعم معه بثروة والدتها، وتنقذه من دائرة الهجرة التي كانت على وشك ترحيله لمصر أو السودان، فظفر بالمال والزوجة والإقامة في منزله بمدينة سالزبورج!

تذكر درويش في لحظات تداعي الخواطر، كل ما مر به منذ غادر مصر شابًا صيدليًا فقيرًا حديث التخرج بجواز مزور إلى أثينا باليونان، ومنها عبر ألبانيا ويوغسلافيا إلى فيينا مستقلًا مقطورة شاحنة ضخمة وسط شحنة خنازير، بمعية المهاجرة ناديا التي تنتمي لقبيلة التوتسي الرواندية، التي يتبادل معها أطراف الحديث وتفصح له عن قصتها الرهيبة مع المهربين الذين باعوها لبدو سيناء، وممارستها للبغاء وبيعها كليتها لتدفع ثمن إطلاق سراحها. يأخذك هذا الجزء من الرواية إلى الأهوال التي يخوضها المهاجرون في رحلة على حافة الموت، لا ينجو منها كثير منهم. وأخيرًا انتهت الرحلة بوصولهما سالمين للنمسا، وسلم نفسه للشرطة لتوزعه بمعسكر اللجوء الابتدائي بتلهام بنواحي سالزبورج.

كانت الغربة بالنسبة لدرويش أمرًا اعتاد عليه، فقد أوقعته جنسيته المزدوجة بمشاكل الهوية منذ صغره، فقد سافر بمعية والدته من السودان إلى مصر ليفاجأ برفض مدير المدرسة الابتدائية بقرية في أسوان تسجيله إلا بعد عنت، وكان لوصفه درويش بالأجنبي أثرٌ رسخ في نفسه، وعندما وصل لمرحلة الامتحان للثانوية اضطر للعودة إلى السودان ليمتحن ضمن البعثات المصرية. فكان في وطن أمه «أجنبيًا» وفي وطن أبيه «حلبيًا» وهو مصطلح سوداني يقال لذوي البشرة الفاتحة اللون.

ينتشل مجيء توني درويش من خيالاته وخواطره، لتجتمع الأسرة مع الزائر ويغرق الجميع في السمر وشرب كؤوس النبيذ الأحمر، ثم تقطع ميمي الجلسة وتذهب مع صديقها إلى غرفة نومها بحجة مشاهدة فيلم على اللاب توب. ليعود درويش إلى سريره لاعنًا تفريطه في تنشئة ابنته وفق التربية الإسلامية، بعدما أوقف حصصها حينما سألته عن كفر أمها نورا بعد تدريسها سورة الكافرون في الحصة الإسلامية. وعندما يجد أن الوساوس تكاد أن تقتله حول عذرية ابنته، يهرع إلى خارج غرفته ليجد ميمي وتوني ونورا في غرفة المعيشة، لتفاجئه ميمي بخبر إسلام توني! وهنا تأخذه أفكاره بعيدًا حيث تصور أن توني يسعى لتجنيد ابنته لصالح الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تسعى لغسل الأدمغة الشابة، وتوجيهها لتنفيذ مهام إرهابية في قلب أوروبا.

يسند السارد مهمة سرد الفصول الثلاثة الأخيرة لتوني وميمي ونورا، لحكاية نهاية الرجل الخراب «درويش» على يد زوجته نورا بعد أن حاول قتل توني أثناء خروجهم جميعًا للنزهة على الجبل احتفاءً بتوني، فقد ساق درويش خياله أنه بذلك يحافظ على ابنته حسب تصوره، فما كان من نورا إلا أن دفعته من طرف جرفٍ عالٍ. واتفقوا جميعًا على تزوير رسالة تفيد انتحاره وقد صدقتهم الشرطة، فمن يهتم لمهاجر مثل الرجل الخراب؟!

الرواية تطرح إشكالات كثيرة عبر شخصية درويش وما عاناه منذ الصغر جراء ازدواج جنسيته فصار خرابًا يمشي على قدمين، ثم ما يتعرض له المهاجر في رحلة الموت إلى أوروبا، من مخاطر الطريق ومافيات الأعضاء البشرية، ولجوئه للكذب عند وصوله في التحقيق معه بدوائر الهجرة بشتى الأسباب التي تخول له الحصول على الإقامة، ثم ما تطرحه من إشكالات التربية وتدخل الشرطة في تربية الأبناء وما يواجهه الأب من تقويم إجباري في حالة تقدم الأسرة بشكوى في حقه، وهو ما ذكره درويش بقوله إن الكلب أهم في الأسرة من الأب في نظر الأوروبيين، وما طرحته كذلك عن جرائم المنظمات الأصولية الإرهابية في أوروبا. ولكن هذا الطرح اكتفى بتقديم الإشكالات دون الإجابة عنها، وإنما نثرها في فضاء مخيلة القارئ ليتولى الإجابة عنها بما يلائمه من تناسلات تصوره.

يلاحظ القارئ اتكاء عبد العزيز بركة ساكن على قصيدة «الأرض الخراب» الحداثية للشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت، والتي يرجع إليها الفضل في شهرته العالمية، تناول فيها خيبة أمل جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى. وهذا الاستلهام أو التناص مع القصيدة هو سر نجاح الرواية حسب بعض النقاد الذين خصوا الرواية بقراءتهم النقدية. ووضع عبد العزيز عبارة منها في مدخل الرواية: «أنت، أيها القارئ المرائي! يا شبيهي، يا أخي!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد