لو أن هناك تشريعًا ما يجرم شرب القهوة أو إدمانها لاتبعته على الفور, الجو اليوم ليس على ما يرام, شجعني عقلي أن أشتبك فكريًا مع بعض الأعداء غير الموجودين وكأنهم أمامي بشكل حي نابض.

كيف يكون المرء محظورًا؟ متى يصبح الحظر صفة معتمدة يتبعها الناس والسلطة في التعامل مع فئة معينة, إشكالية تملك سلطة الحظر التي لن تستطيع إدراكها إلا إذا اتجهت نحو الشرق وبلاده.

لطالما كانت قناعتي الشخصية أن الحروب والمواجهات سواء كانت بين جيوش أو حتى بين فئات سياسية فالأمر يرتبط بشكل أو بآخر بالعقيدة سواء بإحيائها أو دفنها، لأن فئة ترى في تلك العقيدة خطرًا على مصالحها في الحكم.

من هنا نبدأ؛ مارس 1804 حيث قام الأهالي في مصر بثورة ضد الوالي بسبب سياساته التعنتية الجائرة وأعلن محمد علي وعسكره أنه يؤيد ثورة الشعب ضد الوالي ولن يورط جنده في معركة مع العامة فجهر حينئذ أنه مع الناس, أرسل جنوده إلى شوارع القاهرة بعدما خلعوا زيهم العسكري وانتشروا في الشوارع يقتلون ويسرقون ويهتكون الأعراض، في نفس الوقت الذي كان يجلس فيه مع العلماء والمشايخ يتشاورون في الأمر, كان ما حدث مفزعًا وحينها شعر المصريون أن بقاء الوالي فيه هلاكهم وأن الحل الوحيد هو محمد علي وجنده الذين سيحمونهم من السرقة والقتل وهتك العرض!

لماذا قام محمد علي بالأمر بهذا الشكل؟

العلماء المسلمون وقتها كانوا أشد الناس شعبية ومحبة بين الناس وكان العامة يختارونهم متحدثين باسمهم, إذن فالعقيدة هنا تحكم الأمر وهو ما نجح فيه محمد علي من كسب الصف العقائدي نحوه وهو ما يعني كسب العامة، وكأنه لا بديل عن الوالي سواه, استقرت له الأمور فأكل حلفاءه فنفى هذا وسجن ذاك, أولئك العلماء الذين بايعوه وأيدوه وأتوا به, لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي يدفع محمد علي لإحراق حلفائه بهذا الشكل؟ الإجابة بسيطة؛ السيطرة العقائدية التي يمتلكها العلماء ستمثل شوكة في حلقه لأنهم قد يجدون في ظلمه شبيه من سبقه فيكون مصيره كمصير سابقيه.

بإمكانك أن تجلس جواري الآن لترى بعينك الثالثة ما حدث وقتها؛ أتى محمد علي بعلماء أزهريين آخرين فقربهم إليه وأغدق عليهم من عطاياه ولذلك مقابل معروف وهو السلطة العقائدية التي سيحصل عليها محمد علي في نظر الشعب ويصبح خليفة الله في أرضه، رغم أن الإسلام لا يحمل تلك المعتقدات ولا يقدس الأشخاص. الأزهريون في تلك الصورة هم ذاتهم الأزهريون الذين قضى عليهم محمد علي ونفس المذهب تقريبًا لكن الفرق كله في الاختيار البشري للمنهج وتطبيقه.

في 1811م وبعيدًا عن الجانب السياسي والعسكري الذي يحتضن داخله أحلام التوسع لمحمد علي, تحركت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي لمحاربة الحركة الوهابية التي أنشأت الدولة السعودية في الحجاز, كان من الممكن أن يسير الأمر في طريق الحروب والاتفاقيات لكن محمد علي كان يعلم أن الحروب العقائدية هي الأشرس على الإطلاق، فقرر القضاء عليها حتى لا تكون شوكة في حلقه, بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك مع الوهابية بصفتها مذهبًا لأن هذا مكانه في حديث اختلاف الآراء الفقهية إلا أنه وبعد سنين عديدة من ذلك قامت الدولة السعودية على المذهب الذي ارتضاه أهلها، لأن العقيدة كما قلنا هي المحرك الأساس والفعال في الأمر.

القهر والعبودية لا يتفقان والإسلام, فالخضوع لغير الله من نواقض العقيدة الصحيحة, بإمكانك أن ترى ذلك جليًا في قول الله في سورة البقرة «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم». تفسير كتاب الجلالين أن العروة الوثقى هي العقد المحكم بين العبد والله، وهي شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله والخضوع لغير الله والقبول بحكم غير حكم الله هو ضرب في صحة العقد وينقص من إيمان المرء.

أكد علي عزت بيجوفيتش على ذلك حينما قال «إن قضية الخلق هي قضية الحرية الإنسانية، فإذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له وأن جميع أفعاله محددة بشكل مسبق سواء بقوى داخلية أو خارجية ففي هذه الحالة لا تكون الإلوهية ضرورة لتفسير الكون وفهمه. ولكن إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمنًا أو صراحة، فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقًا حرًّا فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق, الحرية ليست نتيجة ولا نتاجًا للتطور, فالحرية والإنتاج فكرتان متعارضتان, إن الله لا ينتج ولا يشيد إن الله يخلق».

نحن في سياق الحديث عن إننا لسنا في حاجة لمذاهب مثل الليبرالية والعلمانية فالعقيدة الصحيحة تحفظ الحرية.

لقد فهم الحكام العسكريون اللعبة بشكل صحيح وعرفوا أنه لا تخليَ عن العقيدة في نفوس العامة في الشرق، على عكس الغرب الذين رفضوا اندماج الدين في الحياة لأنهم أمسكوه متلبسًا يحكم بقوة كهنوت الكنيسة فيما عرف بعصر الدولة الثيوقراطية, هنا قرر الحكام أن يضموا إلى فريقهم علماء الدين الذين صنعوا ما سماه بيجوفيتش بـ«الدين المؤسسي الزائف» وهو دين صنع داخل أروقة مباني الحكومة والمخابرات لكنه لا ينتمي بحال إلى جوهر الدين الحقيقي, إذا أخبرك أحدهم أن هناك حربًا على الدين قد تبدو لك الفكرة سخيفة لأنها لا تقدم بشكل صحيح، والصحيح من وجهة نظري أن هناك حربًا فعلية على الدين ولكن الغرض منها ليس إنهاء وجود الدين وإنما الهدف هو تهميشه وتصدير الصورة القشرية فقط التي لا تمت للعقيدة الصحيحة بصلة, الحرب على الوجود الصحيح للعقيدة الدينية يستهدف في الأساس تحجيمها داخل أروقة المساجد وحسب، وأنه لا علاقة لها بسائر نواحي الحياة، وهو ما قد يفسر لك سر العلاقة الحميمة بين الأنظمة والصوفية بوجهها الحالي.

كل الذين حاربوا الوجود الصحيح للعقيدة في قلوب الناس رحلوا وانتهت قصصهم وبقيت العقيدة في قلوب الناس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد