من المعروف أن الحركات النسوية بمختلف أشكالها قد ظهرت في سياق اتجاه عالمي لتصحيح أوضاع المرأة، وانشغلت بإعادة تحديد موقع النساء في مجال المعرفة الإنسانية كموضوع تاريخي وفلسفي، فما هي إجمالاً منطلقات الحركات النسوية في العالم؟ وما هي الفلسفة التي تشكل الرؤية العامة لهذه الحركات في سبيل تغيير واقع المرأة في مجتمعات ما قبل الحداثة؟

شهدت الفلسفة النسوية تقدمًا مذهلاً في سبعينات القرن العشرين، ومرت بمراحل مختلفة بداية من مجرد التأكيد على القدرات الذهنية والجسدية للمرأة، مرورًا بإيجاد مفاهيم تحليلية للأنظمة الاجتماعية الأبوية من أجل صناعة فضاء معرفي مجرد من سلطة الذكر، وانتهاءً بتأكيد الطبيعة التعددية للهوية النسائية خصوصًا مع انتشار أيديولوجيات ما بعد الحداثة، بالإضافة إلى اعتماد منهج الشك البنائي في التحليل لكل ما ينتجه الفكر الإنساني، وتفكيك الثنائيات من قبيل: سلطة الرجل/ تبعية المرأة، الشخصية الطبيعية/ التربية الثقافية، حرية الجسد/ التابوه، الكونية/ الخصوصية، ومفاهيم التكافؤ/ التفاضل حسب نوع الجنس.

جهود جون ستيوارت ميل للتعريف بإشكالية حقوق المرأة

يعتبر الفيلسوف والمفكر الاقتصادي جون ستيوارت ميل (1806 – 1873) من أعظم فلاسفة الليبرالية في القرن التاسع عشر، ومن أوائل من تناولوا بشكل موسع الوضعية الدونية للمرأة في العصور الحديثة، ففي سنة 1830 التقى هذا الفيلسوف بامرأة مثقفة – اسمها هاريت تايلور– قرأت فلسفة باركلي ودرست المنطق، ودار بينهما نقاش حول وضعية المرأة في المجتمع الإنجليزي في ذلك الوقت، حيث اتفقا على “كارثية” أوضاع النساء! وشرع كل منهما يبشر بتحرير المرأة ويطالب بحقوقها السياسية والمدنية، فكتبت هاريت رسالة بعنوان (تحرير النساء) نادت فيه بإتاحة فرص العمل للمرأة على قدم المساواة مع الرجل، وألف جون ستيوارت كتابه الشهير (استعباد النساء) عام 1869، وناقش فيه الحقوق المشروعة التي حرمت منها المرأة في عصره وندَد بوضعها المتردي اجتماعيًّا، وحاول فيه شرح الأسباب الحقيقية التي نتجت عنها الأوضاع الاجتماعية السيئة لعموم النساء.

فنَـد جون ستيوارت في هذا الكتاب صحة المبدأ السائد في عصره لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، واعتبره مبدأ باطلاً لأنه يقوم على أساس تبعية المرأة للرجل، وطالب بإحلال مبدأ “المساواة الكاملة” التي لا تؤيد استحقاقات خاصة لأحد الطرفين على حساب الآخر، ويعترف هذا الفيلسوف بصعوبة مناقشة مشاكل المرأة لأن العادات والتقاليد – التي يقدسها الناس في ذلك الوقت– كانت ترسخ الواقع المرير لنساء بريطانيا، وتزداد صعوبة المسألة – كما يقول– إذا أخذنا بعين الاعتبار غلبة العواطف والمشاعر عند مناقشة أي قضية تتعلق بالمرأة أكثر من الاحتكام للعقل والمنطق!

لقد كانت قضية تحرير المرأة شبيهة جدًّا بإشكالية تحرير الزنوج في أمريكا، فدعاة تحرير العبيد وجدوا صعوبة بالغة في إقناع الناس منطقيًّا بتغيير مشاعرهم التي تأصلت في نفوسهم بحكم التقاليد والعادات المتوارثة، ويشكل مبدأ “المساواة الكاملة” الذي تحدث عنه جون ستيوارت ميل حجر الأساس في جميع أطروحات الحركات النسوية المعاصرة، ويذهب بعض الباحثين إلى اعتبار بولان دو لبار (1647 – 1725) أول من دافع عن مبدأ المساواة في كتابه (المساواة بين الجنسين)، وهو صاحب الأطروحة القائلة بأن “لا جنس للعقل” مدافعًا عن قدرة النساء على المشاركة في العلوم والآداب والفنون وشؤون الدولة والحكم.

كفاح الحركات النسوية في بريطانيا وتأثيرها على القارة الأوروبية

تميزت المجتمعات الحديثة منذ الثورة الفرنسية بخاصية فريدة منحت النساء هامشًا واسعًا للمطالبة بحقوقهن، فالبشر ليس مصيرهم مُـحددًا بمجرد ولادتهم، بل لهم مطلق الحرية في استخدام ملكاتهم واستثمار فرصهم فيما يرغبون، بخلاف ما ترسخ في القرون الغابرة التي كانت تفرض على الفرد أسلوب معيشة محدد بمجرد ولادته في طبقة اجتماعية معينة، فأبناء العبيد سيرزحون في قيد الرق، وأبناء طبقة النبلاء ينعمون بامتيازات ليست عند غيرهم من الطبقات الأخرى كأبناء الصناع ممن لن يُـجاوز قدرهم – مهما فعلوا– ما كان يحظى به آباؤهم، ولهذا السبب كانت المرأة تخضع لتابوه المحرمات لمجرد أنها جاءت إلى الدنيا في صورة أنثى!

لم تذهب جهود جون ستيوارت ميل أدراج الرياح، فقد تأسس تيار مناصر لأفكاره نجح في استمالة الرأي العام الانجليزي، وتمخض عن ذلك موافقة مجلس العموم البريطاني على حق التمثيل النيابي للنساء سنة 1867، ومُـنحت المرأة حق الانتخاب في قانون إصلاح البلديات الذي صدر سنة 1869، وأعطيت حق التصويت في انتخاب أعضاء مجالس التعليم وحرية التصرف في ممتلكاتها سنة 1870، بالإضافة إلى انتخاب أعضاء مجالس الأقاليم سنة 1888، وفي سنة 1895 سُن قانون الطلاق الذي جعل من حق النساء طلب الانفصال عن أزواجهن، وفي سنة 1894 صدرت قوانين تشريعية جديدة أنهت كل أثر لتفضيل جنس على آخر في مسائل الانتخاب، وفتح انتصار المرأة في هذه المعارك الانتخابية الباب واسعًا إلى تكوين سلطة رأي في مسائل الحياة العامة في إنجلترا.

ظهر تأثير الكفاح النسوي البريطاني في القارة الأوروبية واضحًا للعيان، ففي بدايات القرن العشرين اتجه التشريع إلى ناحية العمل على استقلال المرأة بذمتها المالية ومساواتها بالرجل، وتم إلغاء القوانين التي تتعامل مع المرأة كإنسان قاصر وناقص الأهلية في جميع الدول الإسكندنافية، وارتفعت في فرنسا أصوات مطالبة بتعديل أوضاع النساء تجسدت في كتابات قلة من الناشطات النسويات الفرنسيات مثل:

كريستين دو بيزان (1364 – 1430م) التي أشارت إلى أهمية مساهمة المرأة في المجتمع والكيفية المثلى لمواجهة ظاهرة قمع النساء وذلك في كتابيها (مدينة السيدات) و(الفضائل الثلاث)، و ماري دو كرناي (1565 – 1645م) التي طالبت بحق المرأة في التعليم وحذرت من خطر فقدان الاستقلالية والاعتماد التام على الرجل في كتابيها (المساواة بين الرجل والمرأة) و(مظلمة النساء)، وأوليمب دو كوج (1748 – 1793) صاحبة الإعلان الشهير (حقوق المرأة والمواطنة) الذي أصدرته سنة 1791 في أعقاب الثورة الفرنسية وانتقدت فيه فكرة عدم المساواة بين الذكور والإناث، ولكن السلطات الفرنسية لم تحتمل هذا التمرد “الأنثوي” فقامت بإعدامها على المقصلة في عهد الإرهاب الحكومي الذي تلى الثورة الفرنسية بتهمة معاندة النظام الثوري!

البدايات الأولى للحركات النسوية في الولايات المتحدة
يأتي اسم الناشطة النسائية سوزان أنتوني (1820 – 1906) على رأس ناشطات الحركة النسوية في الولايات المتحدة، حيث لعبت دورًا محوريًّا في القرن التاسع عشر في إقرار حق التصويت للمرأة، أصدرت مع رفيقتها إليزابيث ستانتون سنة 1868 أول صحيفة أسبوعية مهتمة بشؤون المرأة بعنوان “الثورة”، وكان توجهها الرئيس لتعزيز حق التصويت للنساء والأمريكيين الأفارقة، بالإضافة إلى المناداة بتساوي الأجور وتكافؤ الفرص في العمل وتعديل قوانين الطلاق، وأسست مع رفيقتها أيضًا الجمعية الوطنية النسوية لحق الاقتراع سنة 1869، وذلك من أجل انتزاع بعض الحقوق السياسية للنساء، وحاولت دمج النساء في الحركات العمالية وذلك عن طريق المشاركة في الاتحاد الوطني للعمال وإقناع الفتيات بالعمل في المطابع.

 

وفي سنة 1872 اعتقلت السلطات الأمريكية سوزان أنتوني لمخالفتها القوانين؛ حيث قامت بالتصويت في الانتخابات الرئاسية، وحكمت عليها المحكمة بغرامة مالية رفضت سوزان دفعها وهتفت متسائلة: “هل يعتبر قيام مواطنة أمريكية بالتصويت أو الاقتراع جريمة؟”، وسُـئلت بعد تقاعدها عن توقعاتها المستقبلية بشأن حقوق المرأة في الولايات المتحدة فأجابت قائلة: “حقوق النساء أمر لا مفر منه، لا يمكننا الاستمرار في إنكار حقوق نصف مواطني مجتمعنا إلى الأبد”! وبعد 14 عامًا من وفاتها قامت الحكومة – في خطوة تاريخية– بالتصديق على حق التصويت للنساء في 26 أغسطس 1920، وتم إقرار التعديل التاسع عشر في الدستور الأمريكي.

تأثير فلسفة الحركات النسوية على المرأة في العالم العربي
إن إطلالة المدنية الحديثة وعولمة ثقافة حقوق الإنسان قد أدت إلى وضعية إنسانية جديدة للمرأة تختلف اختلافًا جوهريًّا عن وضعيات القرون الغابرة، ولقد كانت الاستجابة العربية لهذه الوضعية الكونية الجديدة على شكل جهود تأليفية وكتابات مستفيضة انتشرت بين المثقفين العرب في عصر النهضة، دبجتها يراع مفكرين مخلصين ورجال دين مستنيرين من أمثال الشيخ رفاعة الطهطاوي والشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده والعلامة الطاهر بن حداد… إلخ.

 

ولكن وضعية المرأة العربية ما تزال – حسب تقارير الحركات النسوية في العالم العربي– تعاني الكثير من رواسب الماضي، وما تزال أسيرة عملية “قولبة” تدفعها إلى الرضوخ لعبودية الرجل، وهي تخشى الإقدام على تحمل مسؤولية مصيرها وفرض شخصيتها نتيجة المخاوف التي تراكمت في نفسها، وغالبًا ما تتراجع إلى مواقعها السابقة خشية أن يسيء المجتمع فهم قضيتها!

 

يقول المفكر المصري إسماعيل مظهر (1891 – 1962) في خاتمة كتابه (المرأة في عصر الديمقراطية) ما نصه: “إذا دافعنا عن قضية المرأة فإنما ندافع وملؤنا اليقين الثابت في ذلك، إنما ندافع عن قضية كملت مقدماتها ولم يبق إلا أن تظهر نتائجها في عالم العمل والتطبيق، قضية أقامها الفكر الحر وحكم فيها العقل، وتجمعت في هذا الزمن جميع عناصرها التطورية، قضية فيها من العدل والحق ما يجعلها جديرة بأن تكون موضع عناية الأحرار في كل زمان ومكان”.

الإطار الفكري العام لمجمل الحركات النسوية المعاصرة
تتوزع الحركات النسوية المعاصرة على اتجاهات مختلفة (يمينية – يسارية – معتدلة) وذلك حسب الأولويات التي تمليها ظروف الواقع على الأرض، وترتكز الفلسفة الكبرى لهذه الحركات على عدة مبادئ تتلخص في العمل على تغيير أساليب التربية، ومحاربة السلطة الأبوية من خلال تعديل قوانين الأسرة ونظام الأحوال الشخصية، والإصرار على انخراط النساء في سوق العمل، ومحاربة التمييز الجنسي، وحرية تملك النساء لأجسادهن، والمطالبة بحق التصويت والانتخاب والترشح لمراكز صُـنع القرار… إلخ.

 

وبوجه عام يمكن القول إن الحركات النسوية هي “حركات ديناميكية” لا تتوقف عن التفكير أو إعادة النظر والتنقيح حسب السياقات السياسية والاجتماعية، وتعمل على تنمية ثقافة نسائية خاصة عبر خلق مراكز الاستماع والإيواء للمعنفات، ومراكز صحية وتعليمية ومهرجانات ثقافية وإعلام موجه للنساء، وظاهرة الحركات النسوية تشكل بمدارسها “صيرورة مفتوحة” تتمركز حول نقد ثنائية هيمنة الرجل/ تبعية المرأة في محاولة حثيثة لكسر “السلطة غير المتكافئة” في عالم العلاقات بين الرجال والنساء.

 

ألهمت الحركات النسائية كثيرًا من علماء الاجتماع والبيولوجيا حيث طرحوا انتقادات مهمة حول جدوى التقاليد العلمية السائدة في تفسير علاقة الجندر (ذكر/أنثى) مع تجليات الواقع على الصعيد الاجتماعي والثقافي، وتساءلوا بحيرة عن السبب الحقيقي وراء “الانحياز الذكوري” الواضح للمؤسسات العلمية والأكاديمية، وطرحت الدراسات النسوية المعاصرة تحديات حقيقية على النظريات البيولوجية المتعلقة بالاختلافات بين الجنسين وتأثيرها على السلوك.

 

وصدرت أبحاث علمية تؤكد خطأ اعتماد جنس الإنسان في تحليل ذكائه أو سلوكه أو مشاعره، وتدحض اعتماد فرضية الجندر في تفسير الاختلافات الشخصية بين الجنسين؛ مثل أبحاث عالمة البيولوجيا في جامعة براون آن فاوستو ستيرلينغ في كتابها (أساطير الجنس)، بالإضافة إلى كم هائل من الدراسات النقدية للرؤية “الماهوية” التي تفترض الارتباط العضوي بين جنس الإنسان ووظائفه في الحياة على الصعيد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد