فكر ماو تسي تونغ

أعلن الحزب الشيوعي الصيني لأول مرة رسميا فكر ماو تسي تونغ كأيديولوجية توجيهية له في دستور الحزب لعام 1945، والذي صدر في نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت عملية تكريس نظريات ماو، وإعطاؤها أولوية رسمية قبل ذلك بعامين، كما وقد ألغت حملة التصحيح لعام 1942 خصوم ماو الرئيسين، وفي ربيع عام 1943 تم انتخابه رئيسًا للحزب السياسي، وهو المنصب الذي احتفظ به حرفيًا حتى آخر أنفاسه في 9 سبتمبر (أيلول) 1976.

لقد كان قرارًا واعيًا من قيادة الحزب في عام 1945 لاستخدام مصطلح «فكر ماو تسي تونغ» كتسمية لمساهمة ماو في الأيديولوجية الشيوعية، كما تم اختيار «فكر ماو تسي تونغ» كبيان لا لبس فيه، مفاده أن تفكير ماو لم يكن مشتقًا ولا مذهبًا للماركسية / اللينينية، ولكنه جسد «الخطيئة» الناجحة للماركسية / اللينينية، حيث يشير مصطلح «التأويل» إلى عملية استيعاب أو تأثر عميق بالثقافة أو المجتمع أو الفكر الصيني، وذلك لأنه في عام 1931 كان ماو قد استشهد بتكييف الأيديولوجية الأوروبية الماركسية / اللينينية مع الوضع الخاص للصين كخطوة حاسمة في العملية الثورية، حيث تكيف ماو مع هذه الحقائق العالمية في الظروف الصينية التي تشكل جوهر فكر ماو تسي تونغ، وذلك لأن الماركسية / اللينينية هي جزء أيديولوجي خالص من الشيوعية الصينية، في حين أن فكر  ماو تسي تونغ هو الأيديولوجية العملية.

هذا وما يميز الماركسية الماوية هو تعيينها للفلاحين كقوة رائدة في دفع عجلة الثورة الصينية، حيث رأى ماركس الاشتراكية والشيوعية كنتيجة لثورة بروليتارية من شأنها أن تتجذر من خلال بناء المصانع والمدن في المجتمعات، ولم يكن لدى ماركس سوى القليل من الإيجابيات حول الفلاحين والمجتمع الريفي، واعتبر الفلاحين من بين الطبقات الأكثر استغلالًا في المجتمع الرأسمالي، حيث وصف ماركس ذات مرة الفلاحين: (طبقة من البرابرة، تقف في منتصف الطريق خارج المجتمع، طبقة تجمع بين جميع فظاظة الأشكال البدائية للمجتمع مع كرب وبؤس الدول المتحضرة)، لكن لينين كان أكثر تفاؤلًا إلى حد ما حول الإمكانيات الثورية للفلاحين في روسيا، حيث كان يعتقد أن سكان الريف ولا سيما أفقر الفلاحين يمكن أن يكونوا حلفاء قيّمين للبروليتاريا في الاستيلاء على السلطة، إلا أن ماركس كان متشككًا في أنهم قد يرون ما هو أبعد من رغبتهم في الحرية والأرض لتحقيق الأهداف النهائية للاشتراكية، بما في ذلك إلغاء الملكية الخاصة.

ولقد استفاد ماو من جذوره الريفية، وذهب إلى أبعد من ذلك من خلال تحديد أن الفلاح يلعب دورًا رائدًا في نقل الحركة الثورية إلى السلطة، مستنتجًا ذلك من تحقيقاته الخاصة في مقاطعة (هونان) مسقط رأسه في أوائل عام 1927، بحيث أصبحت إستراتيجية ماو الريفية حول محاصرة المدن من الريف تدريجيا النهج السائد للحزب الشيوعي الصيني، كما واعتبر أن قضية (التطوع) أمرًا مهمًا للغاية، وهو ما يمثل الإيمان بأن الإرادة البشرية يمكن أن تكون حاسمة في إحداث تغييرات تاريخية كبرى، ويرى العديد من الباحثين أن التطوعية هي واحدة من الخصائص المميزة لفكر ماو تسي تونغ، وموضوع متكرر في كتاباته وأعماله السياسية.

هذا وإن أفكار ماو حول «نظرية التناقضات» أو ما يعرف بالفلسفة الفلسفية تجذر عقيدته بحزم في الماركسية / اللينينية، كما أنها أحد الجوانب الأكثر تعقيدًا في الماوية، والتي لا يمكن تفسيرها بسهولة الإشارة إلى الخرافات أو القصائد أو الشعارات، حيث أنها تعكس واحدة من أهم ابتكاراته النظرية، والتي كان لها عواقب عميقة على السياسة الصينية، حيث كتب ماو في مقاله 1937 أن «التناقض موجود في عملية تطوير كل الأشياء» وأن «التناقض موجود عالميًا وفي جميع العمليات، سواء في الأشكال البسيطة أو في الحركة المعقدة، سواء في الظواهر الموضوعية أو الظواهر الأيديولوجية».

طبعًا يجب أن يكون للأيديولوجية اتساق أو منطق داخلي، بعبارة أخرى يجب أن تتلاءم القطع مع بعضها لتشكل وجهة نظر متماسكة للعالم وتوجه إلى العمل، وإذا كانت نظرية التناقض هي الجوهر الفلسفي لأيديولوجية ماو، فإن عددًا من الأفكار الأخرى تتدفق مباشرة من ذلك الأساس، وربما ليس هناك ما هو أكثر أهمية في بناء ماو تسي تونغ ككل من فكرة «الصراع الطبقي»؛ لأن العلاقة الأكثر جوهرية بين الماركسية والماوية هي منهج التحليل الطبقي لفهم التاريخ والمجتمع، لكن فكر ماو تسي تونغ يأخذ التحليل الطبقي الماركسي في اتجاه أكثر راديكالية.

هذا ومن منتصف خمسينات القرن العشرين، كان ماو يشعر بالقلق من التأثير المدمر للأفكار البرجوازية داخل الحزب، والتي كانت تعرض الحزب وأفكاره لهزات عنيفة حتى في ظل الاشتراكية، وبعد إلغاء الملكية الخاصة، لكن من أهم التناقضات العدائية التي ظهرت هي الصراع الطبقي وعلى الأخص بين البروليتاريا والبرجوازية، أو بشكل أدق بين الأيديولوجية البروليتارية والبرجوازية، ليس فقط في المجتمع الصيني، ولكن داخل الحزب الشيوعي الصيني نفسه، حيث وصل شبح الصراع الطبقي إلى أعلى المستويات في قيادة الحزب الشيوعي الصيني، ومثل تحولًا جذريًا في معايير الحزب الداخلي للتعامل مع النزاعات القيادية.

كما وكان أحد المكونات الأخرى لفكرة ماو تسي تونغ التي تستمد منطقيًا من نظريته في التناقض ووجهات نظره حول الصراع الطبقي في ظل الاشتراكية هو مفهومه «الثورة الدائمة»، وهذا أيضًا جانب آخر من جوانب الماوية يقول العديد من العلماء أنه يميزه عن التيار الماركسي السائد، حيث من وجهة نظر ماو لا تتوقف عملية الثورة عندما يستولي الحزب الشيوعي على السلطة، ومواصلة الثورة لا يعني فقط وضع مؤسسات وسياسات جديدة تعكس أهداف الثورة، ولكن أيضًا الثورة الدائمة تعني أنه سيكون هناك ثورات داخل الثورة إذا كان المجتمع البشري سيستمر في إحراز تقدم.

نظرية دنغ شياو بينغ

كان دنغ شياو بينغ قد حدد عن قصد أو غير ذلك، سابقة أن الزعيم الأعلى للحزب الشيوعي الصيني لديه الحق في تقديم «مساهمة أصلية» في الأيديولوجية الموجهة للحزب الشيوعي الصيني، والتي تنقل النظرية وراء المبادرات السياسية الرئيسية الخاصة بمبادرة هذا الزعيم، فإذا كان (ماو تسي تونغ) ينظر إليه في كثير من الأحيان على أنه «رومانسي ثوري» يسترشد بأيديولوجية راديكالية ولا يتعامل مع المخاوف العملية، فإن دنغ شياو بينغ على النقيض من ذلك، حيث ينظر إليه على أنه البراجماتي النهائي الذي لم يكن له أي فائدة للنظرية الشيوعية، وعلى الرغم من أنه لم يتخذ لنفسه المناصب العليا الرسمية في أي من الحزب أو الدولة، فقد كان دنغ شياو بينغ يشار إليه في وسائل الإعلام الصينية حين كان على قيد الحياة باعتباره «الزعيم الأعلى» للصين وكمهندس للإصلاح والانفتاح في الصين، وبعد وفاته في عام 1997 تمت إضافة «نظرية دنغ شياو بينغ» إلى دستور الحزب الشيوعي الصيني، جنبًا إلى جنب مع الماركسية / اللينينية وفكر ماو تسي تونغ، كأيديولوجية توجيهية للحزب، حيث تعطي نظرية دنغ شياو بينغ الأولوية المطلقة للتنمية الاقتصادية (تحت قيادة الحزب بالطبع)، في حين أن فكر ماو تسي تونغ، على الرغم من أنه بالتأكيد لا يتجاهل ذلك كهدف، إلا أنه يضع السياسة في القيادة.

يعتبر بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية هو طريقة الحزب في تفسير شروط إدخال إصلاحات السوق في الاقتصاد الصيني وإعطاء جوانب من الرأسمالية (مثل دافع الربح والملكية الخاصة للشركات)، والتي تمثل القوة الدافعة للاقتصاد في البلاد، حيث يجب أن يكون مقياس نجاح أي سياسة اقتصادية هو ما إذا كان قد أدى إلى زيادة الإنتاج، وليس إلى ما إذا كان يفي بمعايير إيديولوجية مجردة، ولهذا أعرب دنغ عن الرأي الداعم للسماح للمزارعين بالحرية الاقتصادية أكثر كجزء من الجهد للتعافي من مجاعة القفزة العظيمة، لكن مثل هذه الأفكار جعلت دنغ في مشكلة سياسية كبيرة مع ماو خلال الثورة الثقافية.

هذا وإذا كان بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية يتمثل في القلب الاقتصادي لنظرية دنغ شياو بينغ، فقد تم وضع الخطوط الأيديولوجية والسياسية لتغيير الحزب في محور عمله من الصراع الطبقي للثورة الثقافية والحقبة الماوية المتأخرة إلى التنمية الاقتصادية، كما أكد دنغ أن التحديث سيكون المهمة الرئيسة للحزب ولوقت ما في المستقبل، حيث تم وضع ما سماه المبادئ الأربعة الأساسية التي كانت الشرط الأساسي لتحقيق التحديث وهي:

1- التمسك بالطريق الاشتراكي.

2- دعم ديكتاتورية البروليتارية.

3- التمسك بقيادة الحزب الشيوعي.

4- التمسك بالماركسية اللينينية وفكر ماو تسي تونغ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد