الأيديولوجية

الأيديولوجية بشكل عام هي واحدة من أكثر المفاهيم المثيرة للجدل في العلوم الاجتماعية، وهي مجموعة منهجية أو شاملة من القيم والمعتقدات (الأفكار) التي توفر طريقة للنظر إلى العالم وفهمه، أو في بعض جوانبه على الأقل، أما الأيديولوجية السياسية فتتكون من أفكار حول السلطة وكيفية توزيعها وتنظيمها واستخدامها، بما في ذلك الأهداف الموجهة إليها، كما أن للأيديولوجية عواقب على العمل من خلال تشكيل السلوك السياسي، خاصة القادة الذين يملكون القدرة على ترجمة الأيديولوجية إلى سياسة، وبهذا المعنى تشكل الأيديولوجية ما يشار إليه أحيانًا بالرمز التشغيلي لنخب اتخاذ القرار، وقد تكون الأيديولوجية بمثابة قناع أو ترشيد للحفاظ على سلطة وامتيازات مجموعة معينة حاكمة في الدولة، بما في ذلك الطبقة الاقتصادية أو الاجتماعية، أو حتى الأحزاب السياسية، ولكن رفضها بوصفها غير ذات صلة، وعدم فهم كيف يستخدمها القادة في زيادة قوتهم، وفي صياغة الأجندات الوطنية، وصياغة سياسات ملموسة، هو تجاهل واحدة من أهم حقائق السياسة عبر الزمان والمكان.

هذا وقد أخذت كلمة «إيديولوجيا» معنى سلبيًّا إلى حد ما خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة؛ إذ أصبح ينظر إليها على أنها شيء يعبر عن «هم» (أعدائنا) و«نحن» (لا نفعل ذلك)، والحقيقة هي أن الأيديولوجية منسجمة في النسيج السياسي لكل مجتمع، بما في ذلك الدول الرأسمالية الديمقراطية، حيث إن الأيديولوجية فيها كامنة نسبيًّا، أي إنها أقل وضوحًا للعلن وأقل إعلانًا رسميًّا، كما ويسمح بالطعن في الأيديولوجيات أو حتى التشجيع عليها في النظم الأخرى، وذلك على الرغم من وجود حدود دائمًا.

تعد الأيديولوجية جزءًا أكثر علانية من الحياة السياسية، كما أن وجود وتطبيق أيديولوجية رسمية قائمة على الماركسية أو اللينينية هو أحد الخصائص المميزة للدول أو الحزب الشيوعي، مثل جمهورية الصين الشعبية، حيث يبني الحزب الحاكم مطالبه بالسلطة إلى حد كبير على دوره كدولة فقط، وأنه مترجم شرعي للقيم والمعتقدات التي ستوجه الأمة إلى أهدافها المحددة أيديولوجيًّا، كما تحظر التحديات الخطيرة التي تواجه الأيديولوجية الحاكمة وتقمعها بوصفها تهديدات لأمن الأمة ورفاهية الشعب.

الماركسية

تعد الماركسية إحدى أكثر الفلسفات تعقيدًا وإثارة للجدل والتبعات في تاريخ البشرية، ودراستها مهمة لفهم تطور الأيديولوجية الشيوعية في الصين، وتطورها من أوائل القرن العشرين حتى الوقت الحاضر، حيث جوهر الماركسية هو التحليل الطبقي، كما يرى الماركسيون العالم في الماضي والحاضر والمستقبل، من خلال عدسة الطبقات الاجتماعية والنظم الاقتصادية، التي تؤدي إلى ظهورهم، وعلى وجه الخصوص يؤكدون الصراع بين الأغنياء والفقراء، والفئات المهيمنة والمهانة.

هذا وقد كتب كارل ماركس (1818- 1883) ومنسقه المقرب، فريدريك إنجلز (1820-1895)، في السطر الافتتاحي للبيان الشيوعي (1848): «إن تاريخ كل مجتمع قائم حتى الآن، هو تاريخ الصراعات الطبقية»، إذ اعتقد ماركس أنه من العصور القديمة إلى حياته وما بعدها، كانت نقاط التحول الرئيسية في التاريخ هي الثورات التي جرت فيها إطاحة الطبقة الحاكمة التي تعوق التقدم الإنساني، لا سيما التقدم الاقتصادي من قبل طبقة صاعدة سوف تأخذ بزمام المبادرة في تحرك البشرية إلى مرحلة تالية، أعلى من تطورها المتجه سابقًا، ووفقًا للماركسية فإن التاريخ مدفوعًا بالنضال الطبقي والثورة، يتكشف في سلسلة من المراحل التي تتميز بمستويات متزايدة من التنمية الاقتصادية، ومن المنظور الماركسي، فإن هذا الطريق للتقدم علمي ولا مفر منه، وهكذا فإن الماركسية هي نظرية التاريخ التي تثبت الادعاء بأن البروليتارية مقدر لها أن تقود البشرية في ثورة لإسقاط الرأسمالية، وخلق مجتمع اشتراكي ثم شيوعي.

اللينينية

بدأ لينين (1872- 1924) طريقه الثوري بعد إعدام أخيه الأكبر في عام 1887 بتهمة المشاركة في مؤامرة لقتل قيصر روسيا، بحيث إنه وخلال سنوات دراسته للمحاماة اعتنق النظرية الماركسية بعد دراستها بعمق، كما انضم إلى مجموعة ماركسية صغيرة في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، وقد أبعده نشاطه السياسي هذا إلى المنفى في سيبيريا لبضع سنوات، لكنه بعد ذلك سافر على نطاق واسع في روسيا وأوروبا، كما ارتقى إلى منصب قيادي في حزب العمل الاجتماعي الديمقراطي الروسي، والذي كان أهم منظمة ماركسية في روسيا في نهاية القرن التاسع عشر، وفي عام 1903 قاد لينين فصيل الحزب الأكثر راديكالية (الأغلبية) في السيطرة على المنظمة.

هذا وبعد محاولة فاشلة للثورة في عام 1905، أمضى لينين السنوات حتى عام 1917 في أوروبا ومعظمها في جنيف، لكنه ظل زعيمًا مؤثرًا للحركة البلشفية في روسيا، إلا أنه عاد إلى روسيا بعد أشهر قليلة من الثورة، والتي كان الشيوعيون فيها واحدًا من الأحزاب القيادية، حيث أطيح القيصر في فبراير (شباط) 1917، وفي أكتوبر (تشرين الأول) استولى البلاشفة على السلطة من حكومة مؤقتة غير شيوعية جرى تشكيلها بعد إطاحة الرئيس من القيصر، ومنذ ذلك الحين وحتى وفاته في عام 1924، كان لينين رئيسًا للحكومة في البلاد التي أعيدت تسميتها اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية (الاتحاد السوفيتي)، وأصبحت المنظمة هي الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي، واللينينية (لينين عراب هذه الأيديولوجية) في جوهرها نظرية للتنظيم الثوري، كما أنها تبنى على الماركسية، لكنها تضيف بعدًا جديدًا أكثر عملية يتعامل مع الاستيلاء الفعلي وممارسة السلطة من قبل منظمة شيوعية ثورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد