كلنا ـ كوجود بشري ـ نمتلك مجموعة من الصفات، وهي كل الصفات الموجودة في أي كائن على الأرض، فالنبات حي، والحيوان حي، وله غرائز تحركه، والإنسان يمتلك الحياة والغرائز والعقل والصفات الإنسانية، لكن كل الصفات لا يمتلكها شخص واحد، لكن كل شخص يمتلك مجموعة صفات كبيرة، موجودة بالقوة (أي لديه الاستعداد لاكتساب تلك الصفات)، ويختار هو ما سيكون منها بالفعل، ويحدد ذلك التنشئة الاجتماعية، بما فيها من أسرة وأصدقاء وتقاليد وعادات وثقافة المجتمع، من ملابس وأكلات، وطقوس، ومشهورات ومقبولات.

وتأثرهم بفلسفة ما أو بديانة ما، وإذا ما كانوا اختلطوا بشعوب وحضارات أخرى، وكذلك النظام السياسي، والذي يؤثر كثيرًا في الصفات المستحسنة والأخرى المكروهة والمنبوذه. وبموجب هذا التصنيف نرى مجموعة من الصفات والملكات التي يسعى الجميع لامتلاكها، وتقليد أصحابها، ويظهر أشخاص في الحقيقة أو حتى في الأساطير والروايات، ينظر لهم الجميع على أنهم المثل العليا، وما يجب أن يكون عليه الرجل الصالح، وما تكون عليه المرأة المحبوبة المرغوبة.

وكذلك يبدأ الرجل بالبحث عن تلك المرأة المحددة والمرسومة في الأساطير، وبالتالي يبدأ معظم النساء في السعي للتحلي بتلك الصفات؛ لتكون مرغوبة ومحبوبة، وكذلك الرجال يسعون للصفات التي ستجعلهم مرغوبين. كل منهم يفعل ذلك بفطرته، فالأولى لكون الإنسان كائنًا يحب التواصل، ويسعى إليه لاشباع احتياج الشعور بالانتماء والطمأنينة، الذي تعطينا إياه الجماعة، والثانية بكون الإنسان كأي كائن؛ يسعى للتطور والتنافس وامتلاك الأفضل، وكونه المتميز والمثال – و قد أصبحت تلك الصفات المعيار – فبالطبع سيسعى الجميع إليها.

وعلى هذا الأساس والمعيار يوصف الناس بالغباء أو الفشل، وآخرون بالتميز والنجاح. فالشخص الغبي، ليس إلا فردًا غير قادر على التأقلم مع النظام القائم. فما لديه من صفات ليست مطلوبة في ذلك النظام وللمصارعة والمنافسة فيه، بل ربما يمتلك الأغبياء – كما نصفهم – بعض الصفات والأفكار التي ستؤخرهم وتجعل تعاملهم أصعب مع النظام.

يمكننا إذا أن نحكم بأن الأغبياء هم أشخاص: إما مخطئون في الزمان أو المكان، ولكن هل هذا يجعل العاديين هم من صح وجودهم؟  بالطبع لا، فما العامة، إلا أشخاصًا يحسنون التأقلم، والأغبياء هم من لا يستطيعون التأقلم مع أي وضع، سوى ذلك الذي هم مقتنعون بصحته، بغض النظر عن كيفية تكون تلك القناعات. في العصور الوسطي أو العصور المظلمة في أوروبا كانت الكنيسة في قمة قوتها وسيطرتها علي السياسة.

وكانت على تعاون واتفاق مع الإقطاعيين فكانت الممتلكات لطبقة النبلاء القليلة، وهي طبقة السياسيين وكبار الأسر في البلاد، وكان جميع الشعب يعمل عندهم بالسخرة أو بأجور زهيدة، حتى لا تكفي احتياجاتهم الأولية، وعبيدهم ممتلكات أيضا للنبلاء. في تلك الفترة كان الاستسلام والرضا من أكثر الصفات استحسانًا، والاعتراض أو المطالبة بالحقوق والعدالة الاجتماعية هي صفات دنيئة يتصف بها السيئون. فقد كانت الكنيسة في ذلك الوقت لها خطاب طبقي بشكل غريب. فكانت تقنع العامة بأنه طالما الله هو خالق السماوات والأرض، وبالتالي، مالكها ومالك ما عليها، فهو يريد أن يجعل في أرضه أغنياء، وهم النبلاء، وفقراء، وهم عامة الشعب، وحاكمين جعلهم الله ملوكًا على غيرهم، ووهبهم الأرض ليملكوها.

فأصبح العبد المؤمن هو المستسلم الراضي بما يصنعه الملوك والنبلاء، وبالتالي أصبحت تلك الصفات هي معيار المفاضلة، وكان المعترضون على هذا النظام تكفرهم الكنيسة، فكأنهم يعترضون على مشيئة الرب في أرضه، فهم ناكرون ومتمردون وطامعون ومتكبرون أيضا. فأي شخص هذا الذي لديه نظام أصلح من نظام الرب؛ ليقف أمامه ويعلن ظلم النظام الإقطاعي، ولكن بعد قيام ثورة العمال تغيرت المعايير؛ فأصبح السلوك الثوري والتمرد على الظلم من صفات الأبطال، ولكن كل هؤلاء الذين عاشوا في الماضي، إما متأقلمون عاديون، أو أغبياء «غير قادرين علي الانخراط في المجتمع»؟  بالطبع هذا سيكون تعميم خاطئ. فإننا بذلك نقول إنه لن يحدث تغير أو تطور، إلا عندما يزداد عدد الأغبياء، ولكن الواقع أن وجود النخب القادرة على التغيير، وغير متأقلمة مع الوضع القائم هو ما يغير المعايير.

وكذلك الأنظمة، فجاءت الشيوعية من نقد الرأسمالية، وجاءت الجمهورية من نقد الملكية، والإقطاعية، ولكن أية فوضى في المعايير تلك. فالواقع أن الصفات لا يوجد منها ما هو سيئ أو حسن لذاته. فكل صفة لها سبب في الوجود – فبالطبع ليس هناك ما هو مسلوب العلة، إلا وكان عدمًا، فإذا أدت الصفة غاية وجودها حسنت، وإذا ضلت الطريق مسببة ضررًا ساءت. فعندما ترى شخصًا قبيحًا، وتخبره بأنه قبيح لا يصدقك، وكذلك إن أخبرت طفلًا يتيما أن أمه لن تعذب، وأنها كانت طيبة، رغم أنها لم تكن، فإن الكذبة هنا ليست بالشيء القبيح. وطالما كان هناك فهم أكثر للواقع، وتطور أفضل للبشرية، أصبح فهمنا للصفات أعمق، وأصبح بإمكاننا الاستفادة منها جميعا، وقل عدد من نطلق عليهم أغبياء. النظام الكوني قائم على التكامل ما بين الأشياء المختلفة، وإن كان كل منهم يرفض الآخر. نقدك لنظرية ما هو ما يكسبها القوة و القدرة على التطور.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد