«أنقذوا إدلب» لربما كتبنا قبلها الكثير من الهاشتاجات الأخرى كـ«أنقذوا حلب»، و«أنقذوا الغوطة» وغيرهما الكثير الذي كان طلبنا الوحيد فيها إنقاذ المدنيين من الموت، والقصف الهمجي، ومن التهجير، ولكن جميعها باءت بالفشل في الحقيقة.

فاليوم يُكرر السيناريو الذي حصل في مدينة حلب – أحياء حلب الشرقية – ليُعاد تمثيله بنفس الهمجية، والتنكيل والتهجير، وبنفس الممثلين، الداعم واحد، والمدمر ونفسه، والضامن ذاته، والفصائل لا حول ولا قوة، ولكن في إدلب، فمنذ أيام لم تقف طائرات الأسد وروسيا التي تعتبر أحد الضامنين من القصف اليومي الوحشي على المدينة.

شهداء، وأكثر من ربع مليون مُهجر والآلاف من الجرحى، والكثير من الركام الذي بقي تحته أصوات المئات من المدنيين، دون أن يستطيع أحد مساعدتهم.

خفض التصعيد وإدلب

بالرغم من كل ما يحصل الآن على إدلب، إلا أنها تعتبر من مناطق خفض التصعيد الذي تم التوقيع عليه منذ مايو (آيار) 2017 بثلاثة ضامنين، الأول روسيا التي تقوم بالقصف والسيطرة، والثاني إيران الذي يعتبر من مصلحتها قتل المدنيين وتهجيرهم، وأما الثالث فتركيا التي تقف الآن مشاهدة ومتابعة قوية دون أن تحرك ساكن خوفًا من أن تتضرر مصلحتها في مواقع أخرى.

إدلب ومناطق سيطرة النظام

بينما يقتل الأطفال، ويبقى آخرون تحت الأنقاض، وتبكي النساء والرجال من حسرة وحرقة القلب، نشهد شجرة الميلاد في غالبية المحافظات السورية التي يسيطر عليها النظام، وعلى بُعد كيلومترات فقط يرقصون ويغنون، ويصفون الجيش السوري بالباسل، ويتمنون أن يبقى لديهم أمانًا وسلامًا، وأما الآخرون فلا أهمية لهم إن قتلوا، وإن عاشوا، إن صرخوا، وإن صمتوا. وأما التلفزيون السوري فنراه يبث ما يصفه بانتصارات الجيش السوري بالسيطرة على بعض المدن في ريف إدلب.

إدلب والخِتام

تعتبر مدينة إدلب من أولى المدن التي اندلعت في الثورة بعد درعا، كما كانت الحاضن الأكبر، وصدر الأم الحنون الذي احتوى مئات الآلاف من المهجرين من الغوطة، وحمص، وحلب، وغيرها، واليوم تشهد أبشع مما شهده غيرها دون أن يقدم أحد لها العون؛ لأنه لم يبق أحد.

فلم تشهد هذه المرة إدلب معركة عسكرية، وإنما كانت المعركة بشكلٍ مباشر على المدنيين، وخصوصًا بعد أن انضمت فصائل الجيش الحر للجيش الوطني المدعوم من قِبل تركيا. أما إذا تمت السيطرة الكاملة على المدينة وريفها هنا فسيكون الختام، ويعود النظام مسيطرًا، وبهذا حتى وإن استبقنا القول بإمكاننا جزم تقسيم سوريا.

فيصبح من إدلب للساحل بأيدي الروس، خصوصًا بعد بث فيديو احتفال جندي روسي بالسيطرة، ولتركيا ما أخذت وسيطرت، وباقي المحافظات منها لإيران، ومنها لمن يريد من الميليشيات الموجودة، وما تبقى للنظام ولكن شكليًا.

إدلب والحملة العسكرية

لربما هذه المرة ليست كسابقتها من المرات، فقد اعتدنا من الحملات العسكرية التي تحدث، خصوصًا بعد معركة حلب الكبرى، أن يقاتل الجيش الحر قليلًا، ومن ثم يُسلم أو يخسر، أو تأتيه الأوامر كي يقف، بينما هذه المرة في إدلب لا قتال عسكري، والنظام يسير وكأنه لا شيء أمامه، والجيش الحر والفصائل أصبحت ضمن الجيش الوطني منتظرًا الأوامر من تركيا.

وفي الختام مرَ ثماني سنوات عجاف على الثورة السورية، ولن أقول سوريا؛ لم يبق سلاح إلا واستُخدم، كيماوي، عنقودي، فسفوري، قذائف، قنابل، صواريخ ثقيلة وخفيفة، دبابات وطائرات، بالإضافة إلى أن الدول العظمى في العالم تدخلت، وعشرات الجماعات المنسوبة لجهات مختلفة وضعت بصمتها القذرة، وما حدث في سوريا لربما لم يحدث قط، وما عاشتها الثورة السورية من قمع وإجرام وهمجية لم يمر على ثورة أخرى، حصلت مئات المجازر والإبادات، كثيرٌ من القتلى والشهداء، ركام، أشلاء، دمار، ملايين من النازحين والمُهجرين، ولكن النقطة الأهم أنه لا الجيش الحر ولا الفصائل والمعارضة اتحدوا، ولا الأسد تنحى، والقوى الكبرى باقية وتنفذ مخططاتها، فماذا فعلت الثورة السورية حتى يحصل ما نشاهد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد