تحدثنا في الجزأين السابقين عن أنواع متعددة من الأصنام التي عبدتها البشرية؛ منها أصنام مادية ومنها أصنام معنوية، والآن مع باقي الأصنام الشهيرة.

 

صنم الاشتراكية:

حينما سقطت روسيا القيصرية وقامت الثورة البلشفية، عام 1917، انتهجت دولة السوفييت النظام الاشتراكي الذي انعكس على كل شيء حتى في الأدب؛ وأضحى كل شيء، ومنها الأدب، موجها لخدمة الاشتراكية.

ولكن الأدب بوجه عام هو انعكاس لما في النفس البشرية من مشاعر وأحاسيس وأفكار وقيم ومبادئ، ولا يختص به شعب دون شعب أو عرق دون عرق.

والمشاعر الإنسانية هي التي أودعها الله -عز وجل- في النفس البشرية منذ أن خلق آدم -عليه السلام- حتى آخر نفس بشرية ستكون على وجه الأرض. فالأدب مَشاع بين البشرية، كل يدلي بدلوه فيه. أما بخصوص الأدب الموجه، مثل: الأدب الاشتراكي من دولة السوفيت الشيوعية فقد فشل فشلا ذريعا، ولم يثمر كتابا بقامة: ليو تولستوي، ولا أنطون تشيخوف، ولا ديستوفيسكي، الذين برعوا وأبدعوا أيام دولة روسيا القيصرية حينما كان الأدب غير موجه.

a

ليو تولستوى

 

b

أنطون تشيخوف

 

وفي عصر صنم الاشتراكية أيام دولة السوفيت الشيوعية، هاجر كتاب كثيرون من روسيا؛ بسبب  قبضة الدولة الصارمة على كل شيء، حتى على المشاعر الإنسانية التي تنعكس وتتألق في الكتابة الأدبية. وهذه صورة عن الأدب الروسي أيام الشيوعية:

 

الأدب السوفييتي:

“تمثل الثورة الشيوعية عام 1917م بداية عصر جديد في الأدب الروسي، فقد أحكمت الرقابة على الأدب، وهاجر كتاب كثيرون، وسُجِنَ وأعْدِمَ كثيرون غيرهم، وسيطرت الدولة والحزب على المطابع والصحافة.

وفي العشرينيات من القرن العشرين خففت الدولة من قبضتها الصارمة، وظهرت مجموعة جديدة من الشعراء والروائيين تُدعى رفاق السفر، من أهم أعضائها كاتب القصة إيزاك بابل والروائيان ليونيد ليونوف وألكسي تولستوي.

ولكن الدولة فرضت على الكتاب أن يخدموا أغراضها، فظهرت روايات المصانع مثلاً، مع بدء الخطة الخمسية الأولى عام 1928م.

وفي الثلاثينيات حظرت الحكومة نشاط جميع الجمعيات الأدبية، وأنشأت اتحاد الكتاب السوفييت الذي ابتدع نظرية الواقعية الاشتراكية، وطرد من الاتحاد كل من لم يلتزم بهذه النظرية!

وأثناء الحرب العالمية الثانية، مُنح الكُتَّاب قدرًا أكبر من الحرية وظهرت روايات وطنية، منها “أيام وليال” لقسطنطين سيمونوف.

خففت القيود مرة أخرى بعد وفاة ستالين، ولكن الرقابة الصارمة عادت بعد نشر رواية ألكسندر سولزينتسين يوم في حياة إيفان دنوسوفتش (1962م). وفي الستينيات، برزت مجموعة من الكتاب الشبان المتحررين ومنهم الشاعر يفجيني يفتشينكو.

ومن الأعمال التي نُشرت في الخارج قصص وروايات أندريه سنيافسكي، الذي استخدم اسم أبرام ترتز، وأعمال سولزينتسين الذي منح جائزة نوبل للأدب عام 1970م ونفي من الاتحاد السوفييتي السابق عام 1974″…

وبسبب الرقابة والقيود، كانت بعض الأعمال الأدبية تُتَداول سرًا على شكل مخطوطات، ونشر بعضها خارج الاتحاد السوفييتي، مثل رواية دكتور زيفاجو، والتي مثلها الفنان الراحل عمر الشريف في فيلم من إخراج ديفيد لين.

وفي منتصف الثمانينيات، وحتى أوائل التسعينيات من القرن العشرين، خفت الرقابة إلى درجة كبيرة في ظل سياسة الانفتاح (الجلاسنوست)، التي تبناها الرئيس ميخائيل جورباتشوف، ونُشرت لأول مرة بعض الأعمال الأدبية المهمة، والتي كانت محظورة في السابق.

وبتفكّك الاتحاد السوفييتي عام 1991م إلى دول مستقلة، انتهى عهد الأدب السوفييتي وعهد صنم الاشتراكية وأدب المصانع، وذهب كل هذا إلى مزبلة التاريخ.

 

الصنم المصري المعاصر يكاد يتهاوى:

نفخت فيه الجوقة من أرواحهم الشريرة وأظهروه لنا كنبي وكرسول ومخلص ومبعوث العناية الإلهية، ولم يتبقَ إلا أن ينعتوه بالألوهية!

ومر الوقت، والنفخ في الأبواق مستمر بدون توقف، ومر الزمن الرديء، والعزف على أردأ نوتة موسيقية منذ فجر التاريخ لا يتوقف أبدا. ومرت الأيام تلو الأيام، وموقدو الشموع والبخور مع ترتيل الأناشيد التي تسبح بحمده وتقدس له تستفحل حتى انتفخ الصنم وانتفخ وصدق الأباطيل؛ فنعت نفسه بالطبيب الذي يصف الحالة على أحسن ما يكون الوصف، ونعت نفسه أيضا بالفيلسوف الذي خلقه ليحل مشاكل الكون.

والعجيب أن مشاكل الكون تجمعت عندنا من حيث ظهر هذا الصنم المعاصر:

1- حادثة سقوط الطائرة الروسية الأخيرة في سيناء، وما تبعها من تعزيز الولايات المتحدة الأمريكية قوات حفظ السلام في سيناء، وما أعلنته روسيا من قيامها بتنفيذ المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة؛ لكي تدافع عن نفسها بأي شكل، ولو تدخلت في مصرنا الحبيبة بشكل سافر، وتجميد النشاط السياحي لعدة دول إلى بلدنا. ولم تتوقف الفاجعة عند هذا، بل أتى الصنم الفارغ من كل شيء بشركة إنجليزية (مخابراتية الأصل) لتأمين مطاراتنا! وسلم لي على السيادة المصرية!

2- قيام الجيش بقذف فوج سياحي مكسيكي بالخطأ في الصحراء الغربية وقتل كل منْ فيه.

3- عزوف المصريين عن الذهاب لانتخابات برلمان الدم الأخيرة.

4- الانهيار الاقتصادي الغير مسبوق في تاريخ مصر كله، بالرغم من إلغاء الدعم للوقود.

5- انهيار الجنيه المصري.

6- ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وسعر المحروقات قل في العالم كله؛ نتيجة لانخفاض أسعار البترول، إلا في المحروسة.

7- ارتفاع نسبة المنتحرين لأول مرة في تاريخ مصر كله.

8- ازداد عدد المعتقلين المعارضين إلى 70 ألف معتقل، وتركهم بلا رعاية طبية حتى يموتوا بالبطيء.

9- التصفية المباشرة للمعارضين ولو على أسرتهم وسط أهاليهم، أحدهم رمته قوة أمنية من الدور الحادي عشر بالإسكندرية، ما هذا؟!

10- استفحال الجماعات الإرهابية في سيناء بالرغم من تجريف رفح من المنازل وتدمير الأنفاق والقتل في سويداء القلب لأهالينا في سيناء.

11- انهيار التعليم:

تقول جريدة الشروق في يوم الأربعاء 20 مايو 2015، إعداد الأستاذ محمود نجم:

حلت مصر في المركز قبل الأخير بين 124 دولة في العالم فيما يخص جودة المدارس الابتدائية، كما قبعت في نفس المركز في جودة نظم التعليم والتدريب، وفقا لما أوضحه تقرير مؤشر رأس المال البشرى الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي الأسبوع الماضي، وفنلندا الأولى عالميـًا وإسرائيل الأولى «شرق أوسطيـًا» في مؤشر رأس المال البشرى”.

12- ضعف مصر سياسيا على مستوى العالم وخاصة أمام سد النهضة الأثيوبي وتوقيع السيسي لاتفاقية مشبوهة (غير معلنة) مع أثيوبيا والسودان والتي أضعفت موقف مصر بدرجة شديدة.

والمصيبة الأكبر أن جنوب السودان تتجه لبناء سدين جديدين على النيل تطبيقا لاتفاقية “عنتيبي”؛ الأول يحمل اسم “كايا” على الحدود مع أوغندا، والثاني على شلالات “فولا” بمدينة نمولي بغرض توليد الكهرباء وإنشاء مزارع سمكية، كما تقول جريدة الشعب في السبت 19/12/2015.

هي ناقصة!

13- غرق غير مسبوق للإسكندرية ومدن كفر الشيخ والبحيرة بسبب شوية مطر.

وقد عزف عباد صنمهم المصري الحديث من الذهاب للتفويض الأخير (الفشنك) بعدما اتضحت حقيقته شيئا فشيئا، وعزوف المصريين للذهاب لانتخابات البرلمان الأخير صورة واضحة لليأس الذي ملأ النفوس بعدما وجدوا الفشل في كل المجالات منذ مجيء الصنم الحديث.

ولم ينجح هذا الصنم المصري الحديث في شيء سوى تفريق المصريين (أنتم شعب ونحن شعب)، وتكريس للعلمانية في مصر (أكبر دولة مسلمة)، وتشويه التيار الإسلامي باستمرار وحتى تشويه الدين الإسلامي ذاته والقرآن الكريم ومطالبته بإلغاء لآيات فيه تحرض على العنف، كما تقول الأستاذة أسماء حسين في مقالها القيم 8″ كوارث فريدة من نوعها في عهد السيسي” في ساسة بوست.

وفي خطاب الصنم الأخير بمناسبة المولد النبوي الشريف في 22/12/2015، ظهر خائفا ومرعوبا من دعوات الخروج للثورة في 25 يناير المقبل.

الأصنام ليس لها أي أساس، وهي تصفر بالهواء لخوائها المادي والمعنوي، ولن تستمر مهما طال الزمن لأن الله قال في كتابه الكريم:

{ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ}.

الصنم يحتاج أن ننفخ فيه نفخة بسيطة من أرواحنا وسيسقط على أم رأسه إلى الهاوية…

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد