أصنام ليست بأصنامِ الحجارة ولا تُرى بالأعيـن المجرّدة ولكنها أسوأ، نعم! هل يوجد ما هو أسوأ من أن تُقاتـل عدوًا لا يمكن أن تراه؟! فأصنام الحجارة يمكن رصدها ومِن ثَمّ تحطيـمها إن لزم الأمر ولنا في قصة إبراهيم عليه السلام خير مثال، فمادية الأشياء سر زوالها، ولكن تلك الأصنام التي نحن بصدد الاستطراد في الحديـث عنها ليست من الحجارة أو ما شابـه!
هي أصنام بحق ولكن تنشأ عن غزل العقول ونَسْج الأفكار وزراعة الأيدولوجيات ومِن ثَمّ حصد السلوكيات.
وتشترك مع تلك الأصنام من الحجارة في وجود أتباع وعُبّاد قد يصل بهم الأمر إلى الدفاع حد الاستماتة عن أصنامهم الواهيـة والتي أصبحت في منزلة مُقدّسة.
ما هي تلك الأصنام التي لا تُرى بالعين؟
تلك الأصنام ذكرها «فرانسيـس بيكون» الفيلسوف الإنكليزي في كتابـه الشهيـر «الأورجانون الجديد» ، تلك الأصنام التي سيطرت على العقول ومن ثم تَجلّت في السلوكيات وترسخت لسنوات عدة حتى وأصبح لسان حال العقل البشري لأى مُعارِض أو ثائر (حَسْبُنا ما وجدنا عليه آباءنا الأولين).
تلك الأصنام أحب أن أطلق عليها «أصنام الفكر»
لذا لا بد من معرفة تلك الأصنام حقّ المعرفة حتى يمكن رصدها ومِن ثَمّ تحطيمها وتحرير عقولنا وسلوكياتنا من سطوتها الدَميمة.
الصنم الأول (صنم القبيـلة) Tribe idol ولكن أحب أن أطلق عليه صنم الجماعة، نعم! وجود الأشخاص في جماعات أمر له من الخسائر ما له من الفوائد على حد سَواء، فنحن نعلم أن في الجماعة قوة وفي المشورة حكمة ولكن أيضًا قد تنشأ عن الجماعة زِراعة لمجموعة من الأفكار والمعتقدات التي من شأنها أن تصبح مُسلّمات لا مَساس بها، فما لنا أن نحصد سوى جمود فكري وتخلف حضاري يُعارض كل ما هو مختلف عنـه.
الصنم الثاني صنم الكهف Cave idol
وهنا يقصد به ذلك الكهف الذي يسكن فيه الإنسان ولكن ليس كهفًا بالمعنى الحرفي، إنما هو كهفٌ ومأوى لمجموعة من الأفكار والتجارب الشخصيـة التي من شأنها أن تَأسر الإنسان في ظُلمات وعُزلة وهنا لا يرى الإنسانُ العالمَ إلا من خلال ظِلال أفكاره وتجاربـه الخاصـة التي لا تُناسب الموضوعيـة التي يجب أن تسود على عملية التفكير ولا تتماشى مع فِطْرة العقل البشري وهي طرح الأسئلة باستمرار والحصول على إجابات والسعي نحو الحق وما لنا أن نحصد سوى جهل مُدْقِع وفِكر مُرَقّع.
وقد أشار أفلاطون مذ أكثر من ألفي عام في كتابه «الجمهوريـة» إلى هذا النوع من الأصنام، حيث وصف الحياة بالسجن أو الكهف وهناك مجموعة من الأشخاص بداخل هذا الكهف، يشاهد كل منهم ظِلال العالم الخارجي على جدران الكهف دون معرفة بما يحدث فعليًا بالخارج – فهي مجرد ظلال لأشياء تتحرك – وما لأي منهم سوى أن يعتمد على تجاربـه السابقـة في معرفة ماهيـة تلك الأشياء والتي بالتأكيـد ستكون معرفة واهيـة، وهنا يقرر أحدهم الخروج من الكهف فيرى الضوء ويرى أن هناك عالمًا واقعيًا وليس مجرد ظلال، وبعد أن يتأقلم مع ذلك العالم الجديد ويعود إلى زملائـه في الكهف ليُشارك ما رأى وما عرف، ولكنهم يُقابلونه بالاستهزاء مُدّعيـن أن خروجه من ذلك الكهف الآمن قد أتلف عقلَه وتفكيرَه.
الصنم الثالث هو صنم السوق Market-place idol
وهنا يقصد تلك المعلومات والشائعات المتداوَلة بيـن عامة الناس دون برهان من غير العارفيـن بها، فيتم تفسير الألفاظ تفسيرًا مشوهًا ومزيفًا يُخالف تمام الموضوعية ووضع تلك المعلومات موضع الاستقراء أو النقد، ومِن ثَمّ أصبحت أصنامًا لا مَساس بها.
الصنم الرابع صنم المسرح Theater idol
والذي يكمن في ربط صحة ما يصدر عن شخص من قول أو فعل بمدى شهرته أو سطوة نفوذه، فنحن نجلس على مقاعدنا ونشاهد خشبة المسرح ونصفق لأبطال المسرحية، وتلك مغالطة منطقـيـة تُسمى التوسّل بالعظمة فنفوذ الشخص وتأثيره مجتمعيًا ليست أدلة قاطعة على صِحّة ما يقول أو قُدسية ما يفعل، ويضم هذا أيضًا تلك الأمثلة التي نُرددها يوميًا ونتداولها دون أن نُعمِل عقولنا كي نكتشف ما بها من مغالطات فكرية تُشوه أفكارنا ولا تلائم عصرنا الراهن.
فمَزيّة العقل البشري هو البحث في صحة الأمور والنقد والموضوعية حتى نصل إلى الحق الذي تنعكس عنه سلوكيات سليمة.
وماذا بعد أن عرفنا تلك الأصنام!
هل يمكن أن نحطمها في مجتمعنا العربي كي نسمح لأفكارنا وعقولنا بالتحرر من قَيْد العبودية لتلك الأصنام؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد